كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 204 "
ولما كان من يرد الماء لا يرده إلاّ لعطش ، أطلق الورد على العطاش تسمية للشيء بسببه . وقرأ الحسن والجحدري يحشر المتقون ويساق المجرمون مبنياً للمفعول ، والضمير في ) لاَّ يَمْلِكُونَ ( عائد على الخلق الدال عليهم ذكر المتقين والمجرمين إذ هم قسماه ، والاستثناء متصل و ) مِنْ ( بدل من ذلك الضمير أو نصب على الاستثناء ) وَلاَ يَمْلِكُونَ ( استئناف إخبار . وقيل : موضه نصب على الحال من الضمير في ) لاَّ يَمْلِكُونَ ( ويكون عائداً على المجرمين . والمعنى غير مالكين أن يشفع لهم ، ويكون على هذا الاستثناء منقطعاً . وقيل : الضمير في ) لاَّ يَمْلِكُونَ ( عائد على المتقين والمجرمين ، والاستثناء متصل . وقيل : عائد على المتقين ، واتخاذ العهد هو العمل الصالح الذي يحصل به في حيِّز من يشفع . وتظافرت الأحاديث على أن أهل العلم والصلاح يشفعون فيشفعون . وفي الحديث : ( إن في أمتي رجلاً يدخل الله بشفاعته أكثر من بني تميم ) . وقال قتادة : كنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين . وقال بعض من جعل الضمير للمتقين : المعنى لا يملك المتقون ) الشَّفَاعَةَ ( إلاّ لهذا الصنف ، فعلى هذا يكون من اتخذ المشفوع فيهم ، وعلى التأويل الأول يكون من اتخذ الشافعين فالتقدير على التقدير الثاني ) لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لاِحَدٍ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ ( فيكون في موضع نصب كما قال :
فلم ينج إلاّ جفن سيف ومئزرا .
أي لم ينج شيء إلا جفن سيف . وعلى هذه الأقوال الواو ضمير . وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون يعني الواو في ) لاَّ يَمْلِكُونَ ( علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث ، والفاعل من ) اتَّخَذَ ( لأنه في معنى الجمع انتهى . ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميراً . وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنها لغة ضعيفة . وأيضاً قالوا : والألف والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلاّ بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف ، إما أن تأتي بلفظ مفرد يطلق على جمع أو على مثنى فيحتاج في إثبات ذلك إلى نقل ، وأما عود الضمائر مثناة ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى ، والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ، ولكن الأحفظ أن لا يقال ذلك إلاّ بسماع . وقال الزمخشري : ويجوز أن ينتصب يعني من على تقدير حذف المضاف أي إلاّ شفاعة من ) اتَّخَذَ ).
والعهد هنا . قال ابن عباس : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله . وفي الحديث من قال : ( لا إله إلاّ الله محمد رسول الله كان له عند الله عهد ) . وقال السدي : العهد الطاعة . وقال ابن جريج : العمل الصالح . وقال الليث : حفظ كتاب الله . وقيل : عهد الله إذنه لمن شاء في الشفاعة من عهد الأمير إلى فلان بكذا ، أي أمره به أي لا يشفع إلاّ المأمور بالشفاعة المأذون له فيها . ويؤيده ) وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ( ) يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ). ) لاَ تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى ). وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون المجرمون يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم ) لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ ( إلاّ العصاة المؤمنون فإنهم سيشفع فيهم ،

الصفحة 204