كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 236 "
من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهراً باجتماعهم فيه في ذلك اليوم ، فبذكر الزمان علم المكان .
وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير ، والمعنى إنجاز وعدكم يوم الزينة وطابق هذا أيضاً من طريق المعنى ، ويجوز أن يقدر مضاف محذوف ويكون المعنى اجعل ) بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ ( وعداً ) لاَّ نُخْلِفُهُ ( فإن قلت : فبم ينتصب ) مَكَاناً ( ؟ قلت : بالمصدر أو بفعل يدل عليه المصدر ، فإن قلت : كيف يطابقه الجواب ؟ قلت : أما على قراءة الحسن فظاهر ، وأما على قراءة العامة فعلى تقدير وعدكم وعد يوم الزينة .
ويجوز على قراءة الحسن أن يكون ) مَوْعِدُكُمْ ( مبتدأ بمعنى الوقت و ) ضُحًى ( خبره على نية التعريف فيه لأنه قد وصف قبل العمل بقوله ) لاَّ نُخْلِفُهُ ( وهو موصول ، والمصدر إذا وصف قبل العمل لم يجز أن يعمل عندهم . وقوله و ) ضُحًى ( خبره على نية التعريف فيه ، لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه ، هو وإن كان ضحى ذلك اليوم بعينه ليس على نية التعريف بل هو نكرة ، وإن كان من يوم بعينه لأنه ليس معدولاً عن الألف واللام كسحر ولا هو معرف بالإضافة . ولو قلت : جئت يوم الجمعة بكراً لم ندع أن بكراً معرفة وإن كنا نعلم أنه من يوم بعينه .
وقرأ أبو جعفر وشيبة لا نَخلُفْهُ بجزم الفاء على أنه جواب الأمر . وقرأ الجمهور برفعها صفة لموعد . وقال الحوفي ) مَّوْعِدًا ( مفعول اجعل ) مَكَاناً ( طرف العامل فيه اجعل . وقال أبو علي ) مَّوْعِدًا ( مفعول أولا لأجعل و ) مَكَاناً ( مفعول ثان ، ومنع أن يكون ) مَكَاناً ( معمولاً لقوله ) مَّوْعِدًا ( لأنه قد وصف . قال ابن عطية : وهذه الأسماء العاملة عمل الفعل إذا نعتت أو عطف عليها أو أخبر عنها أو صغرت أو جمعت وتوغلت في الأسماء كمثل هذا لم تعمل ولا يعلق بها شيء هو منها ، وقد يتوسع في الظروف فيعلق بعد ما ذكرنا لقوله عز وجل ) يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ ( فقوله إذ متعلق بقوله لمقت . وهو قد أخبر عنه وإنما جاز هذا في الظروف خاصة ومنع قوم أن يكون ) مَكَاناً ( نصباً على المفعول الثاني لنخلفه ، وجوزه جماعة من النحاة ووجهه أن يتسع في أن يحلف الموعد انتهى . وقوله إذا نعت هذا ليس مجمعاً عليه في كل عامل عمل الفعل ، ألا ترى اسم الفاعل العاري عن أل إذا وصف قبل العمل في إعماله خلاف البصريون يمنعون والكوفيون يجوزون ، وكذلك أيضاً إذا صغر في إعماله خلاف ، وأما إذا جمع فلا يعلم خلاف في جواز إعماله ، وأما المصدر إذا جمع ففي جواز إعماله خلاف ، وأما استثناؤه من المعمولات الظروف فغيره يذهب إلى منع ذلك مطلقاً في المصدر ، وينصب إذ بفعل يقدر بما قبله أي مقتكم إذ تدعون .
( وَلا أَنتَ ( معطوف على الضمير المستكن في ) تُخْلَفَهُ ( المؤكد بقوله ) نَحْنُ ). وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب والحسن وقتادة وطلحة والأعمش وابن أبي ليلى وأبو حاتم وابن جرير ) سُوًى ( بضم السين منوناً في الوصل . وقرأ باقي السبعة بكسرها منوناً في الوصل . وقرأ الحسن أيضاً ( سُوى ( بضم السين من غير تنوين في الحالين أجرى الوصل مجرى الوقف لا أنه منعه الصرف لأن فعلاً من الصفات متصرف كحطم ولبد . وقرأ عيسى سِوَى بكسر السين من غير تنوين في الحالين أجرى الوصل أيضاً مجرى الوقف ، ومعنى ) ( بضم السين من غير تنوين في الحالين أجرى الوصل مجرى الوقف لا أنه منعه الصرف لأن فعلاً من الصفات متصرف كحطم ولبد . وقرأ عيسى سِوَى بكسر السين من غير تنوين في الحالين أجرى الوصل أيضاً مجرى الوقف ، ومعنى ) سُوًى ( أي عدلاً ونصفة . قال أبو علي : كأنه قال قربه منكم قربه منا . وقال غيره : إنما أراد أن حالنا فيه مستوية فيعم ذلك القرآن ، وأن تكون المنازل فيه واحدة في تعاطي الحق لا تعترضكم فيه الرئاسة وإنما يقصد الحجة . وعن مجاهد وهو من الاستواء لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت فيها ، وهذا معنى ما تقدم من قول أبي عليّ قربه منكم قربه منا . وقال الأخفش ) سُوًى ( مقصور إن كسرت سينه أو ضممت ، وممدود إن فتحتها ثلاث لغات ويكون فيها جميعاً بمعنى غير وبمعنى عدل ، ووسط بين الفريقين . وقال الشاعر : وإن أبانا كان حل بأهله سوى
بين قيس قيس غيلان والفزر

الصفحة 236