" صفحة رقم 256 "
قصة الثلاثة الذين خلفوا أمر الرسول عليه السلام أن لا يكلموا ولا يخالطوا وأن يعتزلوا نساءهم حتى تاب الله عليهم . وقرأ الجمهور ) لاَ مِسَاسَ ( بفتح السين والميم المكسورة و ) مِسَاسَ ( مصدر ماس كقتال من قاتل ، وهو منفي بلا التي لنفي الجنس ، وهو نفي أريد به النهي أي لا تمسني ولا أمسك . وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقعنب بفتح الميم وكسر السين . فقال صاحب اللوامح : هو على صورة نزال ونظار من أسماء الأفعال بمعنى أنزل وأنظر ، فهذه الأسماء التي بهذه الصيغة معارف ولا تدخل عليها إلا النافية التي تنصب النكرات نحو لا مال لك ، لكنه فيه نفي الفعل فتقديره لا يكون منك مساس ، ولا أقول مساس ومعناه النهي أي لا تمسني انتهى . وظاهر هذا أن مساس اسم فعل . وقال الزمخشري ) لاَ مِسَاسَ ( بوزن فجار ونحوه قولهم في الظباء : إن وردن الماء فلا عباب
وإن فقدنه فلا إباب
وهي أعلام للمسة والعبة والأبة وهي المرة من الأب وهو الطلب . وقال ابن عطية ) لاَ مِسَاسَ ( هو معدول عن المصدر كفجار ونحوه ، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ودراك ونحوه ، والشبه صحح من حيث هي معدولات ، وفارقه في أن هذه عدلت عن الأمر ومساس وفجار عدلت عن المصدر . ومن هذا قول الشاعر : تميم كرهط السامري وقوله
ألا لا يريد السامري مساس
انتهى . فكلام الزمخشري وابن عطية يدل على أن مساس معدول عن المصدر الذي هو المسة ، كفجار معدولاً عن الفجرة ) وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً ( أي في يوم القيامة . وقرأ الجمهور ) لَّن تُخْلَفَهُ ( بالتاء المضمومة وفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف بل ينجزه لك الله في الآخرة على الشرك والفساد بعدما عاقبك في الدنيا . وقال الزمخشري : وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً . قال الأعشى : أثوى وقصر ليله ليزوّدا
فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
وقرأ ابن كثير والأعمش وأبو عمرو بضم التاء وكسر اللام أي لن تستطيع الروغان عنه . والحيدة فتزول عن موعد العذاب . وقرأ أبو نهيك : لن تَخْلُفُه بفتح التاء وضم اللام هكذا بالتاء منقوطة من فوق عن أبي نهيك في نقل ابن خالويه . وفي اللوامح أبو نهيك لن يَخْلُفه بفتح الياء وضم اللام وهو من خلفه يخلفه إذا جاء بعده أي الموعد الذي لك لا يدفع قولك الذي تقوله فيما بعد ) لاَ مِسَاسَ ( بالفعل فهو مسند إلى الموعد أو الموعد لن يختلف ما قدر لك من العذاب في الآخرة . وقال سهل : يعني أبا حاتم لا يعرف لقراءة أبي نهيك مذهباً انتهى . وقرأ ابن مسعود والحسن بخلاف عنه نخلفه بالنون وكسر اللام أي لا ننقص مما وعدنا لك من الزمان شيئاً . وقال ابن جني لن يصادفه مخالفاً . وقال الزمخشري : لن يخلفه الله . حكى قوله عز وكل كما مر في ) لاِهَبَ لَكِ ( انتهى .
ثم وبخ موسى عليه السلام السامري بما أراد أن يفعل بالعجل الذي اتخذه إلهاً من الاستطالة عليه بتغيير هيئته ، فواجهه بقوله ) وَانظُرْ إِلَى إِلَاهِكَ ( وخاطبه وحده إذ كان هو رأس الضلال وهو ينظر لقولهم ) لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ ( وأقسم ) لَّنُحَرّقَنَّهُ ( وهو أعظم فساد الصورة ) ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِى الْيَمّ ( حتى تتفرق أجزاؤه فلا يجتمع ، ويظهر أنه لما كان قد أخذ السامري القبضة من أثر فرس جبريل وهو داخل البحر حالة تقدم فرعون وتبعه فرعون في الدخول ناسب أن ينسف ذلك العجل الذي صاغه