" صفحة رقم 294 "
محذوف ، كأنه قيل : ولا يسمع النداء الصم شيئاً .
الأنبياء : ( 46 ) ولئن مستهم نفحة . . . . .
ثم أخبر تعالى أن هؤلاء الذين صموا عن سماع ما أنذروا به إذا نالهم شيء مما أنذروا به ، ولو كان يسيراً نادوا بالهلاك وأقروا بأنهم كانوا ظالمين ، نبهوا على العلة التي أوجبت لهم العذاب وهو ظلم الكفر وذلوا وأذعنوا . قال ابن عباس : ) نَفْحَةٌ ( طرف وعنه هو الجوع الذي نزل بمكة وقال ابن جريج : نصيب من قولهم نفح له من العطاء نفحة إذا أعطاه نصيباً وفي قوله ) وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ ( ثلاث مبالغات لفظ المس ، وما في مدلول النفح من القلة إذ هو الريح اليسير أو ما يرضخ من العطية ، وبناء المرة منه ولم يأت نفح فالمعنى أنه بأدنى إصابة من أقل العذاب أذعنوا وخضعوا وأقروا بأن سبب ذلك ظلمهم السابق .
الأنبياء : ( 47 ) ونضع الموازين القسط . . . . .
ولما ذكر حالهم في الدنيا إذا أصيبوا بشيء استطرد لما يكون في الآخرة التي هي مقر الثواب والعقاب ، فأخبر تعالى عن عدله وأسند ذلك إلى نفسه بنون العظمة فقال ) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ ( وتقدم الكلام في الموازين في أول الأعراف ، واختلاف الناس في ذلك هل ثم ميزان حقيقة وهو قول الجمهور أو ذلك على سبيل التمثيل عن المبالغة في العدل التام وهو قول الضحاك وقتادة ؟ قالا : ليس ثم ميزان ولكنه العدل والقسط مصدر وصفت به الموازين مبالغة كأنها جعلت في أنفسها القسط ، أو على حذف مضاف أي ذوات ) الْقِسْطَ ( ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله أي لأجل ) الْقِسْطَ ). وقرىء القصط بالصاد . واللام في ) لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ( قال الزمخشري : مثلها في قولك : جئت لخمس ليال خلون من الشهر . ومنه بيت النابغة : ترسمت آيات لها فعرفتها
لستة أعوام وذا العام سابع
انتهى . وذهب الكوفيون إلى أن اللام تكون بمعنى في ووافقهم ابن قتيبة من المتقدمين ، وابن مالك من أصحابنا المتأخرين ، وجعل من ذلك قوله ) الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ( أي في يوم ، وكذلك لا يجليها لوقتها إلاّ هو أي في وقتها وأنشد شاهداً على ذلك لمسكين الدارمي : أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم
كما قد مضى من قبل عاد وتبع وقول الآخر :
وكل أب وابن وإن عمرا معاً مقيمين مفقود لوقت وفاقد وقيل اللام هنا للتعليل على حذف مضاف ، أي لحساب يوم القيامة و ) شَيْئاً ( مفعول ثان أو مصدر .
وقرأ الجمهور : ) مِثْقَالَ ( بالنصب خبر ) كَانَ ( أي وإن كان الشيء أو وإن كان العمل وكذا في لقمان ، وقرأ زيد بن عليّ وأبو جعفر وشيبة ونافع ) مِثْقَالَ ( بالرفع على الفاعلية و ) كَانَ ( تامة . وقرأ الجمهور ) ءاتَيْنَا ( من الإتيان أي جئنا بها ، وكذا قرأ أبي أعني جئنا وكأنه تفسير لأتينا . وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن شريح الأصبهاني آتينا بمده على وزن فاعلنا من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة ، فمعناه جازينا بها ولذلك تعدى بحرف جر ، ولو كان على أفعلنا من الإيتاء بالمد على ما توهمه بعضهم لتعدى مطلقاً دون جاز قاله أبو الفضل الرّازي .
وقال الزمخشري : مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء انتهى .