كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 299 "
صغيراً أقوال خمسة ، والمضاف إليه من قبل محذوف وهو معرفة ولذلك بنى ) قَبْلُ ( أي ) مِن قَبْلُ ( موسى وهارون قاله الضحاك كقوله في الأنعام ) وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ( أي من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وأبعد من ذهب إلى أن التقدير ) مِن قَبْلُ ( بلوغه أو ) مِن قَبْلُ ( نبوته يعني حين كان في صلب آدم . وأخذ ميثاق الأنبياء ، أو من قبل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) لأنها محذوفات لا يدل على حذفها دليل بخلاف ) مِنْ قِيلَ ( موسى وهارون لتقدم ذكرهما . وقربه ، والضمير في ) بِهِ ( الظاهر أنه عائد على إبراهيم . وقيل : على الرشد وعلمه تعالى أنه علم منه أحوالاً عجيبة وأسراراً بديعة فأهله لخلته كقوله : الله أعلم حيث يجعل رسالاته ، وهذا من أعظم المدح وأبلغه إذ أخبر تعالى أنه آتاه الرشد وأنه عالم بما آتاه به عليه السلام .
ثم استطرد من ذلك إلى تفسير الرشد وهو الدعاء إلى توحيد الله ورفض ما عبد من دونه . و ) إِذْ ( معمولة لآتينا أو ) رشدة ( و ) بِهِ عَالِمِينَ ( وبمحذوف أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت ،
الأنبياء : ( 52 ) إذ قال لأبيه . . . . .
وبدأ أولاً بذكر أبيه لأنه الأهم عنده في النصيحة وإنقاذه من الضلال ثم عطف عليه ) قَوْمِهِ ( كقوله ) وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ ( وفي قوله ) مَا هَاذِهِ التَّمَاثِيلُ ( تحقير لها وتصغير لشأنها وتجاهل بها مع علمه بها وبتعظيمهم لها . وفي خطابه لهم بقوله ) أَنتُمْ ( استهانة بهم وتوقيف على سوء صنيعهم ، وعكف يتعدى بعلى كقوله ) يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ ( فقيل ) لَهَا ( هنا بمعنى عليها كما قيل في قوله ) وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ( والظاهر أن اللام في ) لَهَا ( لام التعليل أي لتعظيمها ، وصلة ) عَاكِفُونَ ( محذوفة أي على عبادتها . وقيل : ضمن ) عَاكِفُونَ ( معنى عابدين فعداه باللام .
وقال الزمخشري : لم ينو للعاكفين محذوفاً وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقوله فاعلون العكوف لها أو واقفون لها انتهى .
الأنبياء : ( 53 ) قالوا وجدنا آباءنا . . . . .
ولما سألهم أجابوه بالتقليد البحت ، وأنه فعل آبائهم اقتدوا به من غير ذكر برهان ، وما أقبح هذا التقليد الذي أدى بهم إلى عبادة خشب وحجر ومعدن ولجاجهم في ذلك ونصرة تقليدهم وكان سؤاله عن عبادة التماثيل وغايته أن يذكروا شبهة في ذلك فيبطلها ،
الأنبياء : ( 54 ) قال لقد كنتم . . . . .
فلما أجابوه بما لا شبهة لهم فيه وبدا ضلالهم ) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ( أي في حيرة واضحة لا التباس فيها ، وحكم بالضلال على المقلدين والمقلدين وجعل الضلال مستقراً لهم و ) أَنتُمْ ( توكيد للضمير الذي هو اسم ) كَانَ ( قال الزمخشري : و ) أَنتُمْ ( من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه ) اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ( انتهى ، وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصح الكلام مع الإخلال به لأن الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل المرفوع ، ولا فصل وتنظيره ذلك : باسكن أنت وزوجك الجنة مخالف لمذهبه في ) اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ( لأنه يزعم أن وزوجك ليس معطوفاً على الضمير المستكن في ) اسْكُنْ ( بل قوله : ) وَزَوْجُكَ ( مرتفع على إضمار ، وليسكن فهو عنده من عطف الجمل وقوله هذا مخالف لمذهب سيبويه .
الأنبياء : ( 55 ) قالوا أجئتنا بالحق . . . . .
ولما جرى هذا السؤال وهذا الجواب تعجبوا من تضليله إياهم إذ كان قد نشأ بينهم وجوزوا أن ما قاله هو على سبيل المزاح لا الجد ، فاستفهموه أهذا جد منه أم لعب والضمير في ) قَالُواْ ( عائد عى أبيه وقومه و ) بِالْحَقّ ( متعلق بقولهم ) أَجِئْتَنَا ( ولم يريدوا حقيقة المجيء لأنه لم يكن عنهم غائباً فجاءهم وهو نظير ) قَالَ أُوْحِى لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ ( والحق هنا ضد الباطل وهو الجد ، ولذلك قابلوه باللعب ، وجاءت الجملة

الصفحة 299