" صفحة رقم 308 "
قدمت ) الْجِبَالُ ( على ) الطَّيْرُ ( ؟ قلت : لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة ، وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق انتهى . وقوله : ناطق إن عنى به أنه ذو نفس ناطقة كما يقولون في حد الإنسان أنه حيوان ناطق فيلزم أن يكون الطير إنساناً ، وإن عنى أنه متكلم كما يتكلم الإنسان فليس بصحيح وإنما عنى به مصوّت أي له صوت ، ووصف الطير بالنطق مجاز لأنها في الحقيقة لا نطق لها .
وقوله ) وَكُنَّا فَاعِلِينَ ( أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهنّ والطير لمن نخصه بكرامتنا
الأنبياء : ( 80 ) وعلمناه صنعة لبوس . . . . .
( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ ( اللبوس الملبوس فعول بمعنى مفعول كالركوب بمعنى المركوب ، وهو الدرع هنا . واللبوس ما يلبس . قال الشاعر : عليها أسود ضاريات لبوسهم
سوابغ بيض لا يخرّقها النبل
قال قتادة : كانت صفائح فأول من سردها وحلقها داوود فجمعت الخفة والتحصين . وقيل : اللبوس كل آلة السلاح من سيف ورمح ودرع وبيضة وما يجري مجرى ذلك ، وداود أول من صنع الدروع التي تسمى الزرد . قيل : نزل ملكان من السماء فمرا بداود فقال أحدهما للآخر : نعم الرجل إلاّ أنه يأكل من بيت المال ، فسأل الله أن يرزقه من كسبه فألان له الحديد فصنع منه الدروع امتن تعالى عليه بإيتائه حكماً وعلماً وتسخير الجبال والطير معه وتعليم صنعة اللبوس ، وفي ذلك فضل هذه الصنعة إذ أسند تعليمها إياه إليه تعالى .
ثم امتن علينا بها بقوله ) لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ ( أي ليكون وقاية لكم في حربكم وسبب نجاة من عدوّكم . وقرىء ) لَبُوسٍ ( بضم اللام والجمهور بفتحها . وقرأ الجمهور : ليحصنكم بياء الغيبة أي الله فيكون التفاتاً إذ جاء بعد ضمير متكلم في ) وَعَلَّمْنَاهُ ( ويدل عليه قراءة أبي بكر عن عاصم بالنون وهي قراءة أبي حنيفة ومسعود بن صالح ورويس والجعفي وهارون ويونس والمنقر كلهم عن أبي عمرو ليحصنكم داود ، واللبوس قيل أو التعليم . وقرأ ابن عامر وحفص والحسن وسلام وأبو جعفر وشيبه وزيد بن علي بالتاء أي ) لِتُحْصِنَكُمْ ( الصنعة أو اللبوس على معنى الدرع ودرع الحديد مؤنثة وكل هذه القراءات الثلاث بإسكان الحاء والتخفيف . وقرأ الفقيمي عن أبي عمرو وابن أبي حماد عن أبي بكر بالياء من تحت وفتح الحاء وتشديد الصاد ، وابن وثاب والأعمش بالتاء من فوق والتشديد واللام في ) لَكُمْ ( يجوز أن تكون للتعليل فتتعلق بعلمناه ، أي لأجلكم وتكون ) لِتُحْصِنَكُمْ ( في موضع بدل أعيد معه لام الجر اذ الفعل منصوب بإضمار إن فتتقدّر بمصدر أي ) لَكُمْ ( لإحصانكم ) مّن بَأْسِكُمْ ( ويجوز أن تكون ) لَكُمْ ( صفة للبوس فتتعلق بمحذوف أي كائن لكم ، واحتمل أن يكون ليحصنكم تعليلاً للتعليم فيتعلق بعلمناه ، وأن يكون تعليلاً للكون المحذوف المتعلق به ) لَكُمْ ( ) فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ( استفهام يتضمن الأمر أي اشكروا الله على ما أنعم به عليكم كقوله ) فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ( أي انتهوا عما حرم الله .
الأنبياء : ( 81 - 82 ) ولسليمان الريح عاصفة . . . . .
ولما ذكر تعالى ما خص به نبيه داود عليه السلام ذكر ما خص به ابنه سليمان عليه السلام ، فقال ) وَلِسُلَيْمَانَ الرّيحَ ( وجاء التركيب هنا حين ذكر تسخير الريح لسليمان باللام ، وحين ذكر تسخير الجبال جاء بلفظ مع فقال ) وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الْجِبَالُ ( وكذا جاء ) فَضْلاً ياجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ ( وقال فسخرنا له الريح تجري بأمره ، وذلك أنه لما اشتركا في التسبيح ناسب ذكر مع الدالة على الاصطحاب ، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان أضيفت إليه بلام التمليك لأنها في طاعته وتحت أمره . وقرأ الجمهور ) الرّيحَ ( مفرداً بالنصب . وقرأ ابن هرمز وأبو بكر في رواية بالرفع مفرداً . وقرأ الحسن وأبو رجاء الرياح بالجمع والنصب . وقرأ بالجمع والرفع أبو حيوة فالنصب على إضمار سخرنا ، والرفع على الابتداء و ) عَاصِفَةً ( حال العامل فيها سخرنا في قراءة من نصب ) الرّيحَ ( وما يتعلق به الجار في قراءة من رفع ويقال : عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة ، ولغة أسد أعصفت فهي