كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 348 "
انتهى .
والظاهر عود الضمير في قوله ) يُذْكَرُ فِيهَا ( على المواضع كلها جميعها وقاله الكلبي ومقاتل ، فيكون ) يُذْكَرِ ( صفة للمساجد وإذا حملنا الصلوات على الأفعال التي يصليها أهل الشرائع كان ذلك إما على حذف مضاف أي ومواضع صلوات وإما على تضمين ) لَّهُدّمَتْ ( معنى عطلت فصار التعطيل قدراً مشتركاً بين المواضع والأفعال ، وتأخير المساجد إما لأجل قدم تلك وحدوث هذه ، وإما لانتقال من شريف إلى أشرف . وأقسم تعالى على أنه تنصر من ينصر أي ينصر دينه وأولياءه ، ونصره تعالى هو أن يظفر أولياءه بأعدائهم جلاداً وجدالاً وفي ذلك حض على القتال . ثم أخبر تعالى أنه قوي على نصرهم ) عَزِيزٌ ( لا يغالب .
الحج : ( 41 ) الذين إن مكناهم . . . . .
والظاهر أنه يجوز في إعراب ) الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الاْرْضِ ( ما جاز في إعراب ) الَّذِينَ أُخْرِجُواْ ( وقال الزجاج : هو منصوب بدل ممن ينصره ، والتمكين السلطنة ونفاذ الأمر على الخلق ، والظاهر أنه من وصف المأذون لهم في القتال وهم المهاجرون ، وفيه إخبار بالغيب عما يكون عليه سيرتهم إن مكن لهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا ، وكيف يقومون بأمر الدين . وعن عثمان رضي الله عنه : هذا والله ثناء قبل بلاء ، يريد أن الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا ، وقالوا : فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله تعالى لم يجعل التمكن ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين لا حظ في ذلك للأنصار والطلقاء . وفي الآية أخذ العهد على من مكنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية . وقيل : نزلت في أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وعن الحسن وأب العالية : هم أمّته عليه السلام . وعن عكرمة : هم أهل الصلوات الخمس ، وهو قريب مما قبله . وقال ابن أبي نجيح : هم الولاة . وقال الضحاك : هو شرط شرطه الله من آناه الملك .
وقال ابن عباس : المهاجرون والأنصار والتابعون ) وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الاْمُورِ ( توعد للمخالف ما ترتب على التمكين
الحج : ( 42 - 44 ) وإن يكذبوك فقد . . . . .
( وَإِن يُكَذّبُوكَ ( الآية فيها تسلية للرسول بتكذيب من سبق من الأمم المذكورة لأنبيائهم ، ووعيد لقريش إذ مثلهم بالأمم المكذبة المعذبة وأسند الفعل بعلامة التأنيث من حيث أراد الأمة والقبيلة ، وبنى الفعل للمفعول في ) وَكُذّبَ مُوسَى ( أن قومه لم يكذبوه وإنما كذبه القبط ) فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ( أي أمهلت لهم وأخرت عنهم العذاب مع علمي بفعلهم ، وفي قوله ) فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ( ترتيب الإملاء على وصف الكفر ، فكذلك قريش أملى تعالى لهم ثم أخذهم في غزوة بدر وفي فتح مكة وغيرهما ، والأخذ كناية عن العقاب والإهلاك ، النكير مصدر كالندير المراد به المصدر ، والمعنى فكيف كان إنكاري عليهم وتبديل حالهم الحسنة بالسيئة وحياتهم بالهلاك ومعمورهم بالخراب ؟ وهذا استفهام يصحبه معنى التعجب ، كأنه قيل : ما أشد ما كان إنكاري عليهم وفي الجملة إرهاب لقريش
الحج : ( 45 ) فكأين من قرية . . . . .
( فَكَأَيّن ( للتكثير ، واحتمل أن يكون في موضع رفع على الابتداء وفي موضع نصب على الاشتغال .
وقرأ أبو عمرو وجماعة أهلكها بتاء المتكلم ، والجمهور بنون العظمة ) وَهِىَ ظَالِمَةٌ ( جملة حالية ) فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ( تقدم تفسير هذه الجملة في البقرة في قوله ) أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ( وقال الزمخشري : فإن قلت : ما محل الجملتين من الإعراب ؟ أعني ) وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ ( قلت : الأولى في محل نصب على الحال ، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ) هلكناها ( وهذا الفعل ليس له محل انتهى .
وهذا الذي قاله ليس بجيد لأن ) نَكِيرِ فَكَأَيّن ( الأجود في إعرابها أن تكون مبتدأة والخبر الجملة من قوله ) أَهْلَكْنَاهَا ( فهي في موضع رفع والمعطوف على الخبر خبر ، فيكون قوله ) فَهِىَ خَاوِيَةٌ ( في موضع رفع ، لكن يتجه قول الزّمخشري على الوجه القليل وهو إعراب ) فَكَأَيّن ( منصوباً بإضمار فعل على الاشتغال ، فتكون الجملة من قوله ) وأهلكناها ( مفسرة لذلك الفعل ، وعلى هذا لا محل لهذه الجملة المفسرة فالمعطوف عليها لا محل له .
وقرأ الجحدري والحسن وجماعة ) وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ( مخففاً يقال : عطلت البئر وأعطلتها فعطلت ، هي بفتح الطاء ، وعطلت المرأة من الحليّ بكسر الطاء . قال الزمخشري : ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء إلاّ أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها ، والمشيد المجصص أو المرفوع البنيان والمعنى كم قرية أهلكنا ، وكم بئر عطلنا عن سقاتها و ) وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ( أخليناه عن ساكنيه ، فترك ذلك

الصفحة 348