كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 352 "
نذير لهم بعد أن استعجلوا بالعذاب ، وأنه ليس له تقديم العذاب ولا تأخيره ، ذكر له تعالى مسلاة ثانية باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم متمنين لذلك مثابرين عليه ، وأنه ما منهم أحد إلاّ وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه وبث ذلك إليهم وإلقائه في نفوسهم ، كما أنه ( صلى الله عليه وسلم ) ) كان من أحرص الناس على هدى قومه وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث يلقون لقومه وللوافدين عليه شبهاً يثبطون بها عن الإسلام ، ولذلك جاء قبل هذه الآية ) وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِىءايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ( وسعيهم بإلقاء الشبه في قلوب من استمالوه ، ونسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو المغوي والمحرك شياطين الإنس للإغواء كما قال ) لاَغْوِيَنَّهُمْ ( وقيل : إن ) الشَّيْطَانِ ( هنا هو جنس يراد به شياطين الإنس . والضمير في ) أُمْنِيَّتِهِ ( عائد على ) الشَّيْطَانِ ( أي في أمنية نفسه ، أي بسبب أمنية نفسه . ومفعول ) أَلْقَى ( محذوف لفهم المعنى وهو الشر والكفر ، ومخالفة ذلك الرسول أو النبيّ لأن الشيطان ليس يلقي الخير . ومعنى ) فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ( أي يزيل تلك الشبه شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس ، كما قال ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( و ) يُحْكِمُ اللَّهُ ءايَاتِهِ ( أي معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها ) لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ( من تلك الشبه وزخارف القول ) فِتْنَةً ( لمريض القلب ولقاسيه ) وَلِيَعْلَمَ ( من أوتي العلم أن ما تمنى الرسول والنبيّ من هداية قومه وإيمانهم هو الحق . وهذه الآية ليس فيها إسناد شيء إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا .
وذكر المفسرون في كتبهم ابن عطية والزمخشري فمن قبلها ومن بعدهما ما لا يجوز وقوعه من آحاد المؤمنين منسوباً إلى المعصوم صلوات الله عليه ، وأطالوا في ذلك وفي تقريره سؤالاً وجواباً وهي قصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية ، فقال : هذا من وضع الزنادقة ، وصنف في ذلك كتاباً . وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، وقال ما معناه : إن رواتها مطعون عليهم وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثية شيء مما ذكروه فوجب اطّراحه ولذلك نزهت كتابي عن ذكره فيه . والعجب من نقل هذا وهم يتلون في كتاب الله تعالى ) وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى ( وقال الله تعالى آمراً لنبيه ) قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ ( وقال تعالى ) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاْقَاوِيلِ ( الآية وقال تعالى : ) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ( الآية فالتثبيت واقع والمقاربة منفية . وقال تعالى ) كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ( وقال تعالى : ) سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ( وهذه نصوص تشهد بعصمته ، وأما من جهة المعقول فلا يمكن ذلك لأن تجويزه يطرق إلى تجويزه في جميع الأحكام والشريعة فلا يؤمن فيها التبديل والتغيير ، واستحالة ذلك معلومة .
ولنرجع إلى تفسير بعض ألفاظ الآية إذ قد قررنا ما لاح لنا فيها من المعنى فقوله ) مِن قَبْلِكَ ( ) مِنْ ( فيه لابتداء الغاية و ) مِنْ ( في ) مِن رَّسُولٍ ( زائدة تفيد استغراق الجنس . وعطف ) وَلاَ نَبِىّ ( على ) مِن رَّسُولٍ ( دليل على المغايرة . وقد تقدم لنا الكلام على مدلوليهما فأغنى عن إعادته هنا ، وجاء بعد ) إِلا ( جملة ظاهرها الشرط وهو ) إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ ( وقاله الحوفي ، ونصوا على أنه يليها في النفي مضارع لا يشترط فيه شرط ، فتقول : ما زيد إلاّ بفعل كذا ، وما رأيت زيداً إلاّ بفعل كذا ، وماض بشرط أن يتقدمه فعل كقوله ) وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ ( أو يكون الماضي مصحوباً بقدر نحو : ما زيد إلاّ قد قام ، وما جاء بعد ) إِلا ( في الآية جملة شرطية ولم يلها مرض مصحوب بقد ولا عار منها ، فإن صح ما نصوا عليه تؤول على أن إذا جردت للظرفية ولا شرط فيها وفصل بها بين ) إِلا ( والفعل الذي هو ) أُلْقِىَ ( وهو فصل جائز فتكون إلاّ قد وليها ماض في التقدير ووجد شرطه وهو تقدم فعل قبل ) إِلا ( وهو ) وَمَا أَرْسَلْنَا ( وعاد الضمير في ) تمني ( مفرداً وذكروا أنه إذا كان العطف بالواو عاد الضمير

الصفحة 352