كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 6)

" صفحة رقم 373 "
( سقط : متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ، هيهات هيهات لما توعدون ، إن هي إلا حياتنا نوت ونحيا وما نحن بمبعوثين ، إن هو إلا رجل به جنة افترى على الله كذبا وما نحن بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون ، قال عما قليل ليصبحن نادمين ، فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين )
المؤمنون : ( 31 - 32 ) ثم أنشأنا من . . . . .
ذكر هذه القصة عقيب قصة نوح ، يظهر أن هؤلاء هم قوم هود والرسول هو هود عليه السلام وهو قول الأكثرين . وقال أبو سليمان الدمشقي والطبري : هم ثمود ، والرسول صالح عليه السلام هلكوا بالصيحة . وفي آخر القصة ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ( ولم يأت أن قوم هود هلكوا بالصيحة وقصة قوم هود جاءت في الأعراف ، وفي هود ، وفي الشعراء بأثر قصة قوم نوح . وقال تعالى ) وَاذْكُرُواْ إِذَا جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ( والأصل في أرسل أن يتعدى بإلى كأخوانه وجه ، وأنفذ وبعث وهنا عُدِّي بفي ، جعلت الأمة موضعاً للإرسال كما قال رؤبة :
أرسلت فيها مصعباً ذا إقحام
وجاء بعث كذلك في قوله ) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ ( ) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً ( و ) ءانٍ ( في ) أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ ( يجوز أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية وجاء هنا
المؤمنون : ( 33 - 37 ) وقال الملأ من . . . . .
( وَقَالَ الملأ ( بالواو . وفي الأعراف وسورة هود في قصه بغير واو قصد في الواو العطف على ما قاله ، أي اجتمع قوله الذي هو حق ، وقولهم الذي هو باطل كأنه إخبار بتباين الحالين والتي بغير واو قصد به الاستئناف وكأنه جواب لسؤال مقدر ، أي فما كان قولهم له قال قالوا كيت وكيت ) وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الاْخِرَةِ ( أي بلقاء الجزاء من الثواب والعقاب فيها ) وَأَتْرَفْنَاهُمْ ( أي بسطنا لهم الآمال والأرزاق ونعمناهم ، واحتملت هذه الجملة أن تكون معطوفة على صلة الذين ، وكان العطف مشعراً بغلبة التكذيب والكفر ، أي الحامل لهم على ذلك كوننا نعمناهم وأحسنا إليهم ، وكان ينبغي أن يكون الأمر بخلاف ذلك وأن يقابلوا نعمتنا بالإيمان وتصديق من أرسلته إليهم ، وأن تكون جملة حالية أي وقد ) أترفناهم ( أي ) لَّمَّا كَذَّبُواْ ( في هذه الحال ، ويؤول هذا المعنى إلى المعنى الأول أي ) كَذَّبُواْ ( في حال الإحسان إليهم ، وكان ينبغي أن لا يكفروا وأن يشكروا النعمة بالإيمان والتصديق لرسلي .
وقوله ) أَكَلَ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ( تحقيق للبشرية وحكم بالتساوي بينه وبينهم ، وأن لا مزية له عليهم ، والظاهر أن ما موصولة في قوله ) مِمَّا تَشْرَبُونَ ( وأن العائد محذوف تقديره ) مِمَّا تَشْرَبُونَ ( منه لوجود شرائط الحذف ، وهو اتحاد المتعلق والمتعلق كقوله : مررت بالذي مررت ، وحسن هذا الحذف ورجحه كون ) تَشْرَبُونَ ( فاصلة ولدلالة منه عليه في قوله ) مّمَّا تَأْكُلُونَ ( وفي التحرير وزعم الفراء أن معنى قوله ) وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( على حذف أي ) مِمَّا تَشْرَبُونَ ( منه ، وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف ألبتة لأن ما إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد ، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم تحتج إلى إضمار من انتهى . يعني أنه يصير التقدير مما تشربونه ، فيكون المحذوف ضميراً متصلاً وشروط جواز الحذف فيه موجودة ، وهذا تخريج على قاعدة البصريين إلاّ أنه يفوت فصاحة معادلة التركيب ألا ترى أنه قال ) مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ( فعداه بمن التبعيضية ، فالمعادلة تقتضي أن يكون التقدير ) مِمَّا تَشْرَبُونَ ( منه ، فلو كان التركيب مما تأكلونه لكان تقدير تشربونه هو الراجح .
وقال الزمخشري : حذف الضمير والمعنى من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه انتهى . فقوله حذف الضمير معناه مما تشربونه وفسره بقوله مشروبكم لأن الذي تشربونه هو مشروبكم .
وقال الزمخشري ) إِذَا ( واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم ، أي تخسرون عقولكم وتغبنون في آبائكم انتهى . وليس ) إِذَا ( واقعاً في جزاء الشرط بل واقعاً بين ) إِنَّكُمْ ( والخبر و ) إِنَّكُمْ ( والخبر ليس جزاء للشرط بل ذلك جملة جواب القسم المحذوف قبل إن الموطئة ، ولو كانت ) إِنَّكُمْ ( والخبر جواباً للشرط للزمت الفاء في ) إِنَّكُمْ ( بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلاّ عند الفراء ، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ . واختلف المعربون في تخريج ) إِنَّكُمْ ( الثانية ، والمقتول عن سيبويه أن ) إِنَّكُمْ ( بدل من الأولى وفيها معنى التأكيد ، وخبر ) إِنَّكُمْ ( الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه

الصفحة 373