كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 6)
يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)} [التوبة: 6]، وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91]، وقال تعالى: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]، وقوله سبحانه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)} [الأنفال: 58].
• وجه الدلالة: حيث دلَّت الآيات الكريمة على وجوب الوفاء بالمواثيق والعهود على سبيل العموم، مع المسلمين أو غيرهم، وتحريم الخيانة فيها، وأن على الإمام أو من يقوم مقامه المحافظة على المستأمن في ماله ونفسه حتى يبلغه مأمنه.
2 - وعن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يُرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامّةٍ" (¬1).
3 - وعن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قتلَ مُعاهدًا لم يرحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا" (¬2).
4 - وعن أبي بكرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قتل مُعاهدًا في غير كُنهه (¬3)، حرَّم اللَّه عليه الجنة" (¬4).
¬__________
(¬1) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر (5/ 124، برقم 4636).
(¬2) أخرجه البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب إثم من قتل معاهدًا بغير جُرمٍ (3/ 1155، برقم 2995).
(¬3) قوله: "من قتل معاهدًا من غير كُنْهه"؛ معناه: في غير وجهه ووقته. وفي معنى آخر: كنه الشيء: غايته. "النهاية" (4/ 206).
(¬4) أخرجه أبو داود في "سننه"، كتاب الجهاد، باب في الوفاء للمعاهد وحرمة ذِمته (3/ 83، رقم 2760)، وأحمد في "مسنده" (5/ 36). وقوله: "معاهدًا": المراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم. وقوله: "حرم اللَّه عليه الجنة" قال ابن خزيمة: معنى هذه الأخبار إنما هو على أحد معنيين: أحدهما: لا يدخل الجنة، أي: بعض الجنان، إذ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أعلم أنها جنان في جنة. والمعنى الثاني: أن كل وعيد في الكتاب والسنة لأهل التوحيد، فإنما هو على شريطة، أي: إلا أن يشاء اللَّه أن يغفر ويصفح ويتكرم ويتفضل.
وقال الحافظ ابن حجر: المراد بهذا النفي -وإن كان عامًّا- التخصيص بزمان ما، لما تعاضدت الأدلة العقلية والنقلية، أن من مات مسلمًا ولو كان من أهل الكبائر، فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار، ومآله إلى الجنة، ولو عُذب قبل ذلك. حاصل هذا أن قتل الذمي في حكم الآخرة كقتل المسلم، وقد قال تعالى في الثاني: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93]، فكذلك قتل الذمي، وليس كفره يبيح قتله أو تخفيف وزره بعد أن دخل في العهد، واللَّه تعالى أعلم. انظر: "التوحيد" لابن خزيمة =