كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 6)
كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته" (¬1).
3 - وعن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَعَفُّ الناسِ قِتلةً: أهلُ الإيمان" (¬2).
• وجه الدلالة: أن من الإحسان والعفة في القتل ترك تحريق العدو بالنار إن أمكن القدرة عليهم، والظفر بهم بغيرها من الأسلحة.
وقالوا: وأما ما كان في شأن العُرَنيين، فقصاص أو منسوخ، على خلافٍ في ذلك.
قال البخاري -بعد ذكر قصتهم-: قال أبو قلابة: قتلوا، وسرقوا، وحاربوا اللَّه ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا (¬3). وعن أنس قال: إنما سَمَلَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعينَ أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرِّعاءِ (¬4).
• الخلاف في المسألة: ألمح ابن قدامة وأبو الفرج في كلامهم السابق إلى الخلاف حين ذكرا فعل أبي بكر وخالد -رضي اللَّه عنهما-.
وأشار ابن رشد إلى الخلاف في المسألة وسببه حين قال: (واختلفوا في تحريقهم بالنار، فكره قوم تحريقهم بالنار ورميهم بها وهو قول عمر. ويروى عن مالك، وأجاز ذلك سفيان الثوري، وقال بعضهم: إن ابتدأ العدو بذلك جاز وإلا فلا. والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص. أما العموم فقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
¬__________
(¬1) أخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة (6/ 72، برقم 5167).
(¬2) أخرجه أبو داود في "سننه" (3/ 53 برقم 2666)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 183)، وقوله: "أعفُّ الناس قِتلة أهل الإيمان": قال المناوي في "فيض القدير" (2/ 10): أي: هم أرحم الناس بخلق اللَّه، وأشدهم تحريًا عن التمثيل والتشويه بالمقتول، وإطالة تعذيبه؛ إجلالا لخالقهم، وامتثالًا لما صدر عن صدر النبوة من قوله: "إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة"، بخلاف أهل الكفر وبعض أهل الفسوق ممن لم تذق قلوبهم حلاوة الإيمان، واكتفوا من مُسَمَّاه بلقلقة اللسان، وأُشْربوا القسوة، حتى أبعدوا عن الرحمن، وأبعد القلوب من اللَّه القلب القاسي، و"من لا يرحم لا يُرحم".
(¬3) أخرجه البخاري، كتاب "الجهاد" والسير، باب إذا حرَّق المشركُ المسلمَ هل يُحرَّق؟ (3/ 1099، رقم 2855).
(¬4) أخرجه مسلم، كتاب "القسامة والمحاربين والقصاص والديات"، باب: حكم المحاربين والمرتدين، (5/ 101 برقم 4445).