كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 6)
لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: (وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) [مريم: 91].
(فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً في جهاته، (فَسَوْفَ تَرانِي) تعليقٌ لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض، وهذا كلامٌ مدمج بعضه في بعض، واردٌ على أسلوبٍ عجيبٍ ونمطٍ بديع؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون دليلاً. وهو تبع الإمام في قوله: "إنه تعالى علق الرؤية على أمرٍ جائز، والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة".
قلت: وأما قوله: "كأنه عز وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد"، فمن الإغراق والمبالغة التي تؤدي إلى أن طلب الرؤية أعظم من نسبة الولد إلى الله.
ولعمري، إنه كيف ذاق مع هذه الآية قوله: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًا) [مريم: 90] من تكرير الأفعال، وإخراج كل على ما يناسبه.
وفي إبهام الضمير في (منه)، وإبداله لقوله: (أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا) [مريم: 91] من الفخامة والهيبة ما لا يخفى على البليغ، بخلاف هذا التعليق، فإنه كالتمهيد لإثبات الرؤية، كما يعطيه الذوق! وعليه كلام الأئمة. وأيضاً إن نسبة الولد إلى الله تعالى منسوب إلى أجهل الخلق وأضلهم، وطلب الرؤية منسوب إلى أفضل الخلق وأهداهم. فأين هذا من ذاك؟
قوله: (وهذا كلام مدمج بعضه في بعض)، الأساس: "دمج الشيء دموجاً، واندمج اندماجاً: إذا استحكم والتأم. ومن المجاز: أدمج كلامه: أتى به متراصف النظم".
وفي الاصطلاح: هو أن يضمن كلام سيق لوصفٍ وصفاً آخر.