كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 6)

وقال ابن سعد بإسناده عن أبي ليلى الكِندي قال: شهدتُ عثمان وهه محصور، فاطَّلع من كَوٍّ وهو يقول: أيها الناس، لا تَقتلوني واستتيبوني، فوالله لئن قتلتُموني لا تُصلُّون جميعًا أبدًا، ولا تجاهدون عدوًا جميعًا أبدًا، ولتَختَلفُنّ حتى تَصيروا هكذا، وشبَّك بين أصابعه، ثم قال: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} الآية [هود: 90]، ثم أرسل إلى عبد الله بن سلام فقال: ما ترى؟ فقال: الكفَّ الكفَّ، فإنه أبلغُ لك في الحُجَّة.
وفي رواية أنه قال: والله لئن قَتلتُموني لا تَضعون السَّيفَ عن أعناقكم أبدًا إلى يوم القيامة، فقالوا: أمّا ما ذكرتَ مما يُصيبنُا من البلاء، فإنه لا يحلُّ تَركُ إقامةِ الحقِّ مخافةَ الفتنة في المستقبل، وأما قولك: فإنه لا يَحلُّ قتلُ غير الثلاثة الذين ذكرتَهم، فقتلُ السَّاعي بالفساد في الأرض، والباغي، ومَن حال بين الحقِّ وأهله واجبٌ، وقد بغيتَ، ومنعتَ الحقَّ، وكابرتَ، فلو خلعتَ نفسَك لانصرفنا عنك (¬1).
ذكر من كان يصلي بالناس وعثمان محصور:
واختلفوا في ذلك:
أخرج البخاري عن عُبيد الله بن عديّ بن الخيار، أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال له: إنك إمامُ العامَّة، وقد نزل بك ما ترى، وإنه يُصلّي بنا إمامُ فتنة، وأنا أتحرَّجُ من الصلاة معه؟ فقال عثمان: إن الصلاة من أحسن ما يَصنَعُ الناس، فإذا أحسن الناسُ فأحسِنْ معهم، وإذا أساؤوا فاجتنِبْ إساءَتَهم (¬2).
وإنما قال ابنُ الخيار هذا لأنه أقام القومُ على الصلاة الغافقيَّ، وقيل ابن عُدَيس، وقيل كِنانة بن بشر.
وروى ابن إسحاق عن أشياخه قال: وأشرف عثمان وهو محصور فقال: أين عبد الله بن عباس؟ فأجابه، فقال: اذهب على الموسم فحُجَّ بالناس، فقال: يا أمير المؤمنين، الجهاد في هؤلاء أحبُّ إليّ، فأقْسم عليه، ثم قال عثمان: ليُصَلِّ بالناس الجمعة والعيد
¬__________
(¬1) طبقات ابن سعد 3/ 67.
(¬2) صحيح البخاري (695).

الصفحة 87