كتاب البدر التمام شرح بلوغ المرام (اسم الجزء: 6)

دعوى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك أيضًا أنه متوسط في الظهور؛ لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد، وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه، كشرطنا العلم بالنهي ولا إشكال فيه، ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى فيخرج على قاعدة أصولية (¬1)؛ وهي أن النص إذا استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص هل يصح أَوْ لا؟ ويظهر لك هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط. انتهى.
وظاهر أقوال العلماء على أن النهي شامل لمن كان بأجرة وبغيرها؛ لإطلاق سائر الأحاديث الواردة.
والبخاري جعل حديث ابن عباس مقيدًا لما أطلق من الأحاديث، فاعتبر أن يكون بأجرة، وأما بغير أجرة فهو من باب النصيحة والمعاونة، ولذلك بوب: باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ وهل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له " (¬2). ورخص فيه عطاء. وأخرج حديث جرير مرفوعًا، وفي آخره: والنصح لكل مسلم (¬3). انتهى.
وظاهر نهي بيع الحاضر للبادي التحريم، وقد ذهب إليه الشافعي والجمهور، وذهب عطاء ومجاهد والهادي وأبو حنيفة إلى أن ذلك جائز مطلقًا ولا يكره. قالوا: كتوكيله، ولحديث النصيحة. قالوا: وحديث النهي منسوخ. والجواب أن ذلك لا يصلح لإطلاقه، وهذا خاص، وغاية ما
¬__________
(¬1) ينظر شفاء الغليل للغزالي ص 80.
(¬2) الفتح 4/ 370.
(¬3) البخاري 4/ 370 ح 2157.

الصفحة 100