كتاب البدر التمام شرح بلوغ المرام (اسم الجزء: 6)

السوق، وهو؛ قال: كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه. أخرجه البخاري (¬1). فدل على أن القصد إلى أعلى السوق لا يكون تلقِّيًا، وأن منتهى التلقي ما فوق السوق. وجمع البخاري بين الروايتين في باب منتهى التلقي لينبه على ذلك، وأن الحديث يفسر بعضه بعضًا. وذهب الهدوية والشافعية إلى أن التلقي لا يكون إلا خارج البلد، لأنهم إذا نظروا إلى المعنى المناسب للمنع، وهو تغرير الجالب أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر.
والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقًا كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد وإسحاق. وعن الليث كراهة التلقي ولو في الطريق، ولو على باب البيت حتى تدخل السلعة السوق. وظاهر النهي إطلاق التلقي باعتبار منتهاه، فيتناول طول المسافة وقصرها، وهو ظاهر إطلاق الشافعية والهدوية، وقيد المالكية محل النهي بحد مخصوص ثم اختلفوا فيه؛ فقيل: ميل. وقيل: فرسخان. وقيل: مسافة القصر .. وهو قول الثوري.
والنهي ظاهر في التحريم، ولكنه حيث كان قاصدًا للتلقي عالمًا بالنهي فيه، كان خرج لشغل آخر فرآهم مقبلين فاشترى، ففي إثمه وجهان للشافعية، أظهرهما التحريم؛ والعلة في ذلك هو ما فيه من الخداع للبائع والإضرار بأهل المصر. وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس، فإن أضر كُرِه.
وإذا تلقى واشترى؛ فعند الهدوية والشافعي أن البيع صحيح؛ لأن النهي لم
¬__________
(¬1) البخاري 4/ 375 ح 2167.

الصفحة 95