كتاب الخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه ت النحال (اسم الجزء: 6)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رحمه الله -: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ (¬1) عَلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْكَفَّارَةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً حِينَ قَالَ: "وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ (¬2) فَأُعْتِقُهَا؟ " يَعْنِي: الْجَارِيَةَ الَّتِي لَطَمَ وَجْهَهَا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبَبَ (¬3) وُجُوبِ الرَّقَبَةِ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أَيْنَ اللَّهُ؟ " إِثْبَاتُ الْمَكَانِ لِلَّهِ - عز وجل -، وَلَكِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - خَاطَبَهَا عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهَا، فَإِنَّهَا وَأَمْثَالَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ (¬4) فِي الْأَوْثَانِ أَنَّهَا آلِهَةٌ فِي الْأَرْضِ، فَأَرَادَ يَعْرِفُ إِيمَانَهَا (¬5)، فَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ اللَّهُ؟ " حَتَّى إِذَا أَشَارَتْ إِلَى الْأَصْنَامِ عَرَفَ أَنَّهَا غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، فَلَمَّا قَالَتْ: "فِي السَّمَاءِ" عَرَفَ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنَ الْأَوْثَانِ، وَأَنَّهَا مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ، الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرضِ إِلَهٌ، وَأَشَارَتْ إِلَى ظَاهِرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ، ثُمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ: {مِنْ في السَّمَاءِ} (¬6): مَنْ فَوْقَ السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا قَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (¬7)، وَكُلُّ مَا عَلَا فَهُوَ سَمَاءٌ، وَالْعَرْشُ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ، فَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا أَخْبَرَ، بِلَا كَيْفٍ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، غَيْرُ مُمَاسٍّ لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَيْسِ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
¬__________
(¬1) في النسخ: "دلالته"، والمثبت من المختصر.
(¬2) في النسخ: "رقبته"، والمثبت من المصدر السابق.
(¬3) في النسخ: "بسبب"، والمثبت من المصدر السابق.
(¬4) في (م) تقرأ: "يعتقدونه".
(¬5) كذا في النسخ، وكتب ناسخ (م) على الطرة: "والصواب: فأراد أن يعرف إيمانها" ورقم فوقها.
(¬6) سورة الملك (الآية: 16).
(¬7) سورة طه (الآية: 5).
الصفحة 340