كتاب البحر المحيط في التفسير (اسم الجزء: 6)

ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ: إِنْ كَانَ السُّجُودُ بِمَعْنَى الْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ، فَمِنْ عُمُومِهَا يَنْقَادُ كُلُّهُمْ إِلَى مَا أراده تعالى بهم شاؤوا أَوْ أَبَوْا، وَتَنْقَادُ لَهُ تَعَالَى ظِلَالُهُمْ حَيْثُ هِيَ عَلَى مَشِيئَتِهِ مِنَ الِامْتِدَادِ وَالتَّقَلُّصِ، وَالْفَيْءِ وَالزَّوَالِ، وَإِنْ كَانَ السُّجُودُ عِبَارَةً عَنِ الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ: وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَاضِعُ، فَيَكُونُ عَامًّا مَخْصُوصًا إِذْ يَخْرُجُ مِنْهُ مَنْ لَا يَسْجُدُ، وَيَكُونُ قَدْ عَبَّرَ بِالطَّوْعِ عَنْ سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَبِالْكَرْهِ عَنْ سُجُودِ مَنْ ضَمَّهُ السَّيْفُ إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَهُ قَتَادَةُ: فَيَسْجُدُ كَرْهًا وَإِمَّا نِفَاقًا، أَوْ يَكُونُ الْكَرْهُ أَوَّلَ حَالِهِ، فَتَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الصِّفَةُ وَإِنْ صَحَّ إِيمَانُهُ بَعْدُ. وَقِيلَ: طَوْعًا لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ السُّجُودُ، وكرها يَثْقُلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ إِلْزَامَ التَّكَالِيفِ مَشَقَّةٌ. وَقِيلَ: مَنْ طَالَتْ مُدَّةُ إِسْلَامِهِ، فَأَلِفَ السجود. وكرها مَنْ بَدَا بِالْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ يَأْلَفَ السُّجُودَ قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ السجود عبارة عن الهيئة الْمَخْصُوصَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ يَسْجُدُ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ، وَمَدْلُولُهُ أَثَرٌ. أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ:
يَجِبُ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ كُلُّ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ، فَعَبَّرَ عَنِ الْوُجُوبِ بِالْوُقُوعِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَسَاقَ هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى، خَاضِعٌ لِمَا أَرَادَ مِنْهُ، مَقْصُورٌ عَلَى مَشِيئَتِهِ، لَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا مَا قَدَّرَ تَعَالَى. فَالَّذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ كَائِنًا مَا كَانُوا دَاخِلُونَ تَحْتَ الْقَهْرِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَشْرِيكُ الظِّلَالِ فِي السُّجُودِ. وَالظِّلَالُ لَيْسَتْ أَشْخَاصًا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا السُّجُودُ بِالْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلَكِنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى يَصْرِفُهَا عَلَى مَا أَرَادَ، إِذْ هِيَ مِنَ الْعَالَمِ. فَالْعَالَمُ جَوَاهِرُهُ وَأَعْرَاضُهُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ إِرَادَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ «1» وَكَوْنُ الظِّلَالِ يُرَادُ بِهَا الْأَشْخَاصُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ ضَعِيفٌ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلظِّلَالِ عُقُولًا تَسْجُدُ بِهَا وَتَخْشَعُ بِهَا، كَمَا جَعَلَ لِلْجِبَالِ أَفْهَامًا حَتَّى خَاطَبَتْ وَخُوطِبَتْ، لِأَنَّ الْجَبَلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَقْلٌ بِشَرْطِ تَقْدِيرِ الْحَيَاةِ، وَأَمَّا الظِّلُّ فَعَرَضٌ لَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُ الْحَيَاةِ بِهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى سُجُودِ الظِّلَالِ مَيْلُهَا مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ كَمَا أَرَادَ تَعَالَى. وَقَالَ الْفَرَّاءُ:
الظِّلُّ مَصْدَرٌ يَعْنِي فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْخَيَالِ الَّذِي يَظْهَرُ لِلْجُرْمِ، وَطُولِهِ بِسَبَبِ انْحِطَاطِ الشَّمْسِ، وَقِصَرِهِ بِسَبَبِ ارْتِفَاعِهَا، فَهُوَ مُنْقَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي طُولِهِ وَقِصَرِهِ وَمَيْلِهِ مِنْ
__________
(1) سورة النحل: 16/ 48.

الصفحة 369

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text