كتاب توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (اسم الجزء: 6)
وقيل: المراد بالصفر شهر صفر، وهذا لم يذكره النووي، وهو التشاؤم بشهر صفر، فنفاه الإسلام.
وقوله: ((وَلَا هَامَةَ)): الهامة هي: طائر الليل، وقيل: هو البوم، كانت العرب تزعم أنه إذا وقع على دار أحدهم في الليل فإنها تنعى إليه واحدًا من أهل بيته فيتشاءم، وقيل: الهامة: عظام الميت، كانوا في الجاهلية يزعمون أنها تصير هامة فتطير، فأبطلها الإسلام.
وقوله: ((وَلَا غُولَ)): قيل: الغول: جنس من الشياطين، كانت العرب تزعم أنها تتراءى للناس في الفلوات والصحاري، وتتغول تغولًا، يعني: تتلون تلوُّنًا، فتضل الناس وتهلكهم، فأبطلها الإسلام.
وقال آخرون من أهل العلم: ليس المراد بالحديث نفي الغُولِ، بل الغول موجودة، ولكن المراد من الحديث: نفي تغولها، يعني: تلونها وظهورها للناس واغتيالها، وإلا فهي موجودة بدليل حديث جابر مرفوعًا: ((فَإِذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الْغِيلَانُ، فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ)) (¬١)، وهذا دليل على أنها تتلون، والحديث وإن كان فيه ضعف، لكن اعتمده كثير من العلماء (¬٢)، ولعل له شواهد (¬٣)، وهذ واقع فبعض الناس إذا سافر وحده يجد في الصحاري وفي البراري غيلان تتلون بتلونات تُرعبه وتخيفه، فإذا أذن أذانه للصلاة ذهبت.
ومن ذلك: حديث أبي أيوب: ((أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ، فَكَانَتْ تَجِيءُ الْغُولُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ)) (¬٤) فهذه أدلة على أن الغيلان موجودة، ولكن النبي
---------------
(¬١) وقد أُعِلَّ بالانقطاع بين الحسن البصري وجابر؛ فإنه لم يسمع منه، انظر: العلل، لابن المديني (ص ٥١)، والمراسيل، لابن أبي حاتم (ص ٣٦).
(¬٢) أخرجه البزار (١٢٤٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٥٠)، (٦/ ١٨٧)، (٨/ ٤٨٧)، وأبوعوانة في مستخرجه (١٠٢٥)، والطبراني في الدعاء (٢٠٠٩)، وفي الأوسط (٧٤٣٦).
(¬٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٤٧١)، وأحمد (١٤٢٧٧، ١٥٠٩١)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٢٥).
(¬٤) أخرجه الترمذي (٢٨٨٠).