كتاب توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (اسم الجزء: 6)

صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ- وَهِيَ تَمْتَشِطُ-: ((أَيُّهَا النَّاسُ))، فَقَالَتْ لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي، بِنَحْوِ حَدِيثِ بُكَيْرٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ.
قوله: ((فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا)) فيه: دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، في حياته، ولا عن أحوال أمته بعد وفاته؛ ولهذا يقال له: ((إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)) ففيه: الرد على من غالى في النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه يعلم الغيب.
وفي لفظ آخر: ((إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ)) (¬١) والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله، كما قال الله تعالى- لنبيه-: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}، وقال- له-: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، وقال سبحانه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} وفي الآيات ما يدل على ضعف حديث: ((حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَنُحَدِّثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ)) وهو حديث ضعيف (¬٢).
وهذا الحديث فيه: دليل على دخول النساء في لفظ: الناس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، فهو يشمل الذكور والإناث.
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠).
(¬٢) أخرجه البزار (١٩٢٥) البحر الزخار. وفي سنده عبد العزيز بن أبي رواد، قال ابن هانئ- في سؤالاته (٢٣٢٧) -: ((سألته- يعني: أبا عبد الله- عن عبد العزيز بن أبي رواد؟ فقال: ليس حديثه بشيء)).

الصفحة 479