كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 6)

وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ: إباحَةُ السفرِ في رمضانَ، وفي ذلك رَدُّ قولِ من قال: ليس لمن ابتَدَأ صِيامَ رمضانَ في الحضَرِ أن يُسافِرَ فيُفْطِرَ؛ لقولِ الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٥]. ورَدُّ قولِ مَن قال: إنَّ المسَافِرَ في رمضانَ إنْ صامَ بعضَه في الحضَرِ لم يجُزْ له الفِطْرُ في سفرِه (¬١).
روى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبِيد (¬٢)، عن عليٍّ رضِيَ اللهُ عنه، قال: من أدْرَكَه رمضانُ وهو مُقِيمٌ، ثم سافَرَ بعدُ، لزِمَه الصومُ؛ لأن اللهَ تعالى يقولُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (¬٣)، وهو قولُ عَبيد وطائفَةٍ معه (¬٤). ورواه حمَّادُ بنُ زْيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ قوله (¬٥).
وتأوَّلَ من ذهَبَ مذْهَبَ هؤلاء في قوله: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ}: من أدرَكَه رمضانُ وهو مُسافِرٌ. ففي الحديث ما يُبْطِلُ هذا القولَ كلَّه؛ لأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سافَرَ في رمضانَ بعدَ أن صامَ بعْضَه في الحضرِ مُقِيمًا، وكان خُروجُه بعدَ مُدَّةٍ منه، قد ذكرناها وذكَرْنَا اختِلافَ الآثارِ فيها في بابِ حُميْدٍ الطويلِ (¬٦)، والحمدُ لله.
---------------
(¬١) ذكر ابن بطّال في شرح صحيح البخاري ٤/ ٨٦ أنَّ في حديث ابن عباس إباحةَ السّفر في رمضان والفطر فيه، وهو رادٌّ لما رُوي عن علي.
(¬٢) عَبيدة بن عمرو السَّلماني، أحد الفقهاء الأثبات: تحرير التقريب ٢/ ٤٢٥.
(¬٣) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان ٣/ ٤٥٠ (٢٨٢٩) (تحقيق أحمد شاكر)، وابن أبي حاتم في التفسير ١/ ٣١٢ (١٦٥٦) كلاهما من طرق عن حماد، به.
(¬٤) منهم: إبراهيم النخعي وأبو البختري كما عند الطَّبري في جامع البيان ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١.
وأبو مجلز كما عند ابن أبي شيبة في المصنَّف (٩٠٩٣)، وعلي بن الحسين (٩١٠٠). وذكر ابن أبي حاتم في التفسير ١/ ٣١٢ عددًا منهم.
(¬٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٩٠٩٢)، عن أيوب، به. والطَّبري في جامع البيان ٣/ ٤٥٠ (٢٨٣٠) عن هناد بن السَّرِيّ، عن عبد الرحمن، عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن سيرين، به.
(¬٦) باب الحاء، الحديث الأول لمالك عن حُميد الطّويل في هذا الكتاب.

الصفحة 161