كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 6)

ما نُسِخ خَطُّه وثَبَت حُكْمُه، وقد أجمعوا أنَّ من القرآنِ ما نُسِخ حُكْمُه وثبَت خَطُّه (¬١)، وهذا في القياس مثلُه. وقد ذكرنا وجوهَ نسخ القرآن، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من كتابِنا هذا (¬٢)، فأغْنَى ذلك عن ذِكْرِه هاهنا.
ومن ذهَب هذا المذهبَ احْتَجَّ بقولِ عمرَ بنِ الخطابِ: الرجمُ في كتابِ الله حَقٌّ على من زنَى من الرجالِ والنساء إذا أحْصن (¬٣). وقوله: لولا أن يُقالَ: إنَّ عمرَ زادَ في كتابِ الله لكتَبتُها: (الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارجمُوهما البتَّة)، فإنَّا قد قَرَأناها (¬٤). وسنُبيِّنُ ما لأهلِ العِلْم من التَّأويلِ في قولِ عمرَ هذا بما يجِبُ، في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ، من كتابِنا هذا إن شاء الله (¬٥).
ومن حُجَّتِه أيضًا: ظاهرُ هذا الحديثِ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيدِه، لأقْضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله". ثم قال لأُنيسٍ الأسْلَميِّ: "إن اعْتَرفتِ امرأةُ هذا فارجُمها"، فاعْتَرفتْ، فرجَمها. وأهلُ السنةِ والجماعةِ مجمِعُون على أنَّ الرجمَ من حُكْم الله عزَّ وجلَّ على من أحْصَن (¬٦).
والقولُ الآخَرُ، أنَّ معنَى قولِه عليه السلامُ: "لأقضِيَنَّ (¬٧) بينكما بكتابِ الله عزَّ وجَلَّ"، أي: لأحكُمَنَّ بينكما بحُكم الله، ولأقضِيَنَّ بينكما بقضاءِ الله. وهذا
---------------
(¬١) السُّيوطي في الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢١.
(¬٢) الحديث الحادي والعشرون لزيد بن أسلم.
(¬٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٣٨٤ (٢٣٨١).
وأخرجه البخاري في الصحيح (٦٨٢٩)، ومسلم في الصحيح (١٦٩١)، من طرق عن ابن شهاب.
(¬٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢٣٨٣).
(¬٥) في الحديث الأول ليحيى بن سعيد في آخر هذا الكتاب.
(¬٦) الإجماع لابن المنذر، ص ١٤٢ (٦٣٢).
(¬٧) قفز نظر ناسخ الأصل من هذه اللفظة إلى مثيلتها الآتية فسقط ما بينهما.

الصفحة 176