كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 6)

واختَلَفوا هل عليه مع ذلك جَلْدٌ أم لا؟ فقال جمهورُهم: لا جَلْدَ على المحْصَنِ، وإنَّما عليه الرجمُ فقط. وممن قال ذلك: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والحسنُ بنُ صالح، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شُبْرُمةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، والطبريُّ، كلُّ هؤلاء يقولونَ: لا يجتَمِعُ جَلْدٌ ورَجْمٌ (¬١).
وقال الحسنُ البصريُّ، وإسحاقُ بنُ راهُويَةَ، وداودُ بنُ عليٍّ: الزاني المُحْصَنُ يُجلَدُ، ثم يُرْجَمُ (¬٢)، وحُجَّتُهم عمومُ الآيةِ في الزُّناةَ بقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، فعَمَّ الزُّناةَ ولم يخُصَّ مُحصنًا من غيرِ مُحصَنٍ، وحديثُ عبادةَ بنِ الصامتِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: "خُذُوا عنِّي، قد جعَل اللهُ لهُنَّ سبيلًا" البِكْرُ بالبِكْر، جَلْدُ مئةٍ وتَغْريبُ عام، والثيِّبُ بالثيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرجمُ بالحجارةِ" (¬٣).
وروى أبو حَصِينٍ (¬٤)، وإسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ (¬٥)، وعَلْقَمَةُ بنُ مَرْثدٍ (¬٦)، وغيرُهم، عن الشعبيِّ، قال: أُتي عليٌّ بزانيةٍ، فجَلَدها يومَ الخميسِ، ورجَمها يومَ الجمُعةِ، ثم قال: الرَّجمُ رَجمانِ: رجمُ سِرٍّ، ورجمُ عَلانيَةٍ، فأمَّا رجمُ العَلانيَةِ فالشُّهُودُ، ثم الإمامُ، ثم الناسُ، وأمَّا رجمُ السِّرِّ فالاعترافُ، فالإمامُ، ثم الناسُ (¬٧).
---------------
(¬١) مختصر اختلاف العلماء للطَّحَاوي ٣/ ٢٧٧.
(¬٢) ذكر هذا الحازِميُّ في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص ١٦٠.
(¬٣) سيأتي تخريجه.
(¬٤) وهو: عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، وروايته أخرجها عبد الرَّزاق في المصنف (١٣٣٥٣)، والدَّارقطني في السنن ٣/ ١٢٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٢٠.
(¬٥) أخرجه عبد الرَّزاق في المصنف (١٣٣٥٣)، وأبو يعلى في المسند ١/ ١٧٩ (٢٨٥)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٦٥، وأبو نُعيم في حلية الأولياء ٤/ ٣٢٩.
(¬٦) أخرجه عبد الرَّزاق في المصنف (١٣٣٥٣).
(¬٧) وأخرجه كذلك بالإضافة إلى ما مرَّ من الطُّرُق بهذا اللفظ: ابن أبي شَيْبَة في المصنف (٢٩٤١٧)، وعلي بن الجعد في مسنده ١/ ٤٦ (١٧٦)، كلاهما من طريق شعبة عن الحكم، قال: سمعت عمرو بن نافع يُحدِّث عن علي رضي الله عنه، قال: "الرَّجم رجمان ... ".

الصفحة 178