كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 6)

وأجمع الفقهاءُ أنَّ الأمَةَ الزانيةَ ليس بيعُها بواجبٍ لازم على ربِّها (¬١)، وإن اختارُوا له ذلك. وقال أهلُ الظَّاهرِ بوجوبِ بيعها إذا زنَتْ في الرابعةِ؛ منهم: داودُ وغيرُه (¬٢).
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن التغابُنَ في البيع، وأنَّ المالِكَ الصحيحَ الملكِ جائزٌ له أن يبيعَ ما له القدرُ الكبِيرُ بالتافهِ اليَسِير، وهذا لا خلافَ فيه بينَ العلماء (¬٣) إذا عرَف قدرَ ذلك. واختلَفوا فيه إذا لم يعرِفْ قدرَ ذلك؛ فقال قومٌ: إذا عرَف قدرَ ذلك جاز، كما تجوزُ الهبةُ لو وهَب (¬٤). وقال آخرونَ: عرَف قدرَ ذلك أو لم يعرِفْ، فهو جائز إذا كان رشيدًا حُرًّا بالغًا.
والحُجّةُ لمن ذهب هذا المذهبَ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "دَعُوا النّاسَ يرزُق اللهُ بعضَهم من بعض، ولا يبعْ حاضرٌ لِبادٍ" (¬٥)، وسنوضِّحُ هذا المعنى في أولى المواضع به من كتابِنا هذا (¬٦) إن شاء الله.
والضَّفير: الحَبْل، قيل: من سَعَف النَّخيل، وقيل: من حبل الشَّعَر، واللهُ أعلمُ بالصَّواب.
---------------
(¬١) انظر: تفسير القُرطبي ٥/ ١٤٦.
(¬٢) قال ابن بطّال في شرح صحيح البخاري ٨/ ٤٧٤: قال أهل الظَّاهر بوجوب بيع الأمة إذا زنت الرَّابعة وجُلدت، ولم يقل به أحدٌ من السَّلَف، وكفى بهذا جهلًا. فالإجماع المذكور يستثني أهل الظاهر.
(¬٣) ينظر: القرطبي في تفسيره ٥/ ١٠٢.
(¬٤) في الأصل: "وجب"، وهو تحريف.
(¬٥) رُوي هذا الحديث عن أكثر من صحابي، وممن رواه من الصَّحابة: جابر بن عبد الله، وقد أخرج حديثه أحمد في المسند ٢٢/ ١٩٦ (١٤٢٩١)، والحميدي في المسند (١٢٧٠)، ومسلم في الصحيح (١٥٢٢)، وأبو داود في السنن (٣٤٤٢)، والتِّرمذي في الجامع (١٢٢٣)، والنَّسائي في المجتبى ٧/ ٢٥٦.
(¬٦) من ذلك: الحديث الخامس لعبد الله بن دينار، عن ابن عمر.

الصفحة 215