كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 6)
وفي هذا الحديث من الفقهِ: رفعُ اليدَين في المواضع المذكورة فيه، وذلك عندَ أهلِ العلم تَعْظيمٌ لله، وابتهالٌ إليه، واستسلامٌ له، وخُضوعٌ للوقوفِ بينَ يدَيْه، واتِّباعٌ لسُنَّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -.
واختَلَف العلماءُ في رَفْعِ اليدَين في الصَّلاة؛ فرَوَى ابنُ القاسم وغيرُه عن مالك، أنَّه كان يرَى رَفْعَ اليدَين في الصَّلاةِ ضعيفًا إلّا في تكبيرةِ الإحرام (¬١) وحدَها، وتعلَّقَ بهذه الرِّوايةِ عن مالكٍ أكثرُ المالِكيِّينَ، وهو قولُ الكُوفيِّينَ: سُفيانَ الثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، والحَسَنِ بنِ حيٍّ، وسائرِ فقهاءِ الكوفة، قديمًا وحديثًا (¬٢).
قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ رحمه اللهُ في كتابِه في رَفْعِ اليَدَين من "الكتابِ الكبير" (¬٣): لا نعلَمُ مِصْرًا من الأمصارِ يُنسَبُ إلى أهلِه العلْمُ قديمًا تَرَكوا بأجمَعِهم (¬٤) رَفْعَ اليَدَين عندَ الخفضِ والرَّفْع في الصلاةِ إلّا أهلَ الكوفة (¬٥).
وروَى ابنُ وَهْب (¬٦) والوليدُ بنُ مسلم وسعيدُ بنُ أبي مريمَ وأشهبُ (¬٧) وأبو المُصْعَب، عن مالك، أنّه كان يرفعُ يديه، على حديثِ ابنِ عمرَ هذا إلى أن مات، فاللهُ أعلم.
---------------
(¬١) المدونة ١/ ١٦٥، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٩.
(¬٢) انظر أقوال هؤلاء جميعًا: مختصر اختلاف العلماء للطَّحاوي ١/ ١٩٩.
(¬٣) ذكر الصَّفدي في الوافي بالوفيات ٥/ ١١١ أن كتاب رفع اليدين في الدعاء لمحمد بن نصر في أربع مجلدات.
(¬٤) في الأصل، م: "بإجماعهم"، والمثبت من بقية النسخ.
(¬٥) ذكر هذا القول عنه العراقي في طرح التثريب ٢/ ٢٥٥.
(¬٦) اختلاف العلماء للمروزي، ص ٤٩.
(¬٧) مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٩.