كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 6)

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن سعيد، عن قتادةَ، عن أبي حَسّان، أنَّ رَجُلَيْن دَخَلا على عائشة، وقالا: إنّ أبا هريرةَ يُحدِّثُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّما الطِّيَرَةُ في المرأةِ، والدّارِ، والدّابّة"، فطارَتْ شِقّةٌ منها في السماء، وشِقّةٌ في الأرض، ثم قالت: كَذَب، والذي أنزَل الفُرقانَ على أبي القاسم، مَن حدَّث عنه بهذا؟ ولكنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: "كان أهلُ الجاهليّةِ يقولونَ: الطِّيَرَةُ في المرأةِ، والدّارِ، والدّابَة". ثم قرأت عائشةُ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: ٢٢] (¬١).
قال أبو عُمر: أمّا قولُ عائشةَ في أبي هريرة: كَذَب، والذي أنزَل الفرقانَ. فإنَّ العربَ تقولُ: كذَبتَ، بمعنَى: غَلِطْتَ فيما قَدَّرْتَ، وأوْهَمْتَ فيما قُلْتَ، ولم تَظُن حقًّا، ونحوَ هذا، وذلك معروفٌ من كَلامِهم (¬٢)، موجودٌ في أشعارِهم كثيرًا، قال أبو طالب (¬٣):
---------------
(¬١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٤/ ٥٠ (٢٧٠٢) عن أحمد بن المُعلَّى، عن هشام بن عمار، به، كما أخرجه أحمد في المسند (٢٦٠٨٨) عن روح، عن سعيد، به.
(¬٢) قال ابن حبان في صحيحه عقب حديث (١٧٣٢): قول عُبادة: كذب أبو محمد، يريد: أخطأ، وكذلك قول عائشة حيث قالت لأبي هريرة، وهذه لفظة مستعملة لأهل الحجاز، إذا أخطأ أحدهم يُقال له: كذب.
وقال الزّبيدي في تاج العروس ٤/ ١٢٩: سمّاه كاذبًا لأنَّه شبيهه في كونه ضد الصَّواب، كما أنّ الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النِّية والقصد، ثم ذكر أن الاجتهاد لا يدخله الكذب.
(¬٣) أبياتٌ من قصيدة طويلة تزيد عن مئة بيت في ديوانه، ص ٦٦ من بيت ٣١ - ٣٣، والأبيات أيضًا في سيرة ابن هشام ١/ ٢٤٧.

الصفحة 436