كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 6)

وقد تقدَّم ذِكرُنا أنَّ السُّنَّةَ المُجْمَعَ عليها: الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ: الظُّهرِ والعصرِ، يومَ عَرَفةَ مع الإمام.
واختلفَ الفُقهاءُ في مَن فاتتهُ الصَّلاةُ يومَ عَرَفةَ معَ الإمام: هل لهُ أن يَجْمعَ بينَهُما أم لا؟
فقال مالكٌ (¬١): لهُ أن يَجمَعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ إذا فاتهُ ذلك معَ الإمام، وكذلك المغرِبُ والعِشاءُ يَجمَعُ (¬٢) بينَهُما بالمُزدلِفة. قال: فإنِ احتُبِس إنسانٌ دُونَ المُزدلِفةِ لموضِع عُذْر، جَمَعَ بينَهُما أيضًا قبلَ أن يأتيَ المُزدلِفة (¬٣)، ولا يجمَعُ بينَهُما حتّى يغيبَ الشَّفق.
وقال الثَّوريُّ (¬٤): صَلِّ معَ الإمام بعَرَفاتٍ (¬٥) الصَّلاتينِ إنِ استطعتَ، وإن صَلَّيتَ في رَحْلِكَ فصلِّ كلَّ صلاةٍ لوَقْتِها.
وكذلك قال أبو حنيفة (¬٦): لا يَجمَعُ بينَهُما إلّا مَن صلّاهُما معَ الإمام، وأمّا مَن صلَّى وحدَهُ، فلا يُصلِّي كلَّ صلاةٍ منهُما إلّا لوقتِها، وهُو قولُ إبراهيم.
وقال الشّافِعيُّ، وأبو يُوسُفَ ومحمدٌ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ: جائزٌ أن يجمعَ بينَهُما من المُسافِرينَ مَن صلَّى معَ الإمام، ومَن صلَّى وحدَهُ إذا كان مُسافِرًا (¬٧).
وعِلَّتُهُم في ذلك: أنَّ جَمْعَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان من أجلِ السَّفرِ، ولكلِّ مُسافرٍ الجمعُ بينَهُما لذلك. وكان عبدُ الله بن عُمر يَجمَعُ بينَهُما (¬٨)، وهُو قولُ عطاءٍ.
---------------
(¬١) المدونة ١/ ٤٣٢، والمقدمات الممهدات ١/ ١٨٨، والاستذكار ٤/ ٣٢٥.
(¬٢) من قوله: "يجمع بين" إلى هنا سقط من ر ١، ض، وهو قفز نظر.
(¬٣) في م: "بالمزدلفة".
(¬٤) مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٢٦، والاستذكار ٤/ ٣٢٦.
(¬٥) قوله: "بعرفات" لم يرد في ر ١.
(¬٦) هو في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٢٦، والاستذكار ٤/ ٣٢٦.
(¬٧) الاستذكار ٤/ ٣٢٦.
(¬٨) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٤٢٣٤).

الصفحة 448