كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 6)
رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ سَهْلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ أَو الغربي وَاسْتَشْكَلَهُ بن التِّينِ وَقَالَ إِنَّمَا تَغُورُ الْكَوَاكِبُ فِي الْمَغْرِبِ خَاصَّةً فَكَيْفَ وَقَعَ ذِكْرُ الْمَشْرِقِ وَهَذَا مُشْكِلٌ عَلَى رِوَايَةِ الْغَايِرِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَأَمَّا بِالْمُوَحَّدَةِ فَالْغَابِرُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَاضِي وَالْبَاقِي فَلَا إِشْكَالَ قَوْلُهُ قَالَ بَلَى قَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَلَى حَرْفُ جَوَابٍ وَتَصْدِيقٍ وَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ بِالْإِضْرَابِ عَنِ الْأَوَّلِ وَإِيجَابِ الثَّانِي فَلَعَلَّهَا كَانَتْ بَلْ فَغُيِّرَتْ بِبَلَى وَقَوْلُهُ رِجَالٌ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَهُمْ رِجَالٌ أَيْ تِلْكَ الْمَنَازِلُ مَنَازِلُ رجال آمنُوا قلت حكى بن التِّينِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَلْ بَدَلَ بَلَى وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ بَلَى بِأَنَّ التَّقْدِيرَ نَعَمْ هِيَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ ذَلِكَ وَلَكِنْ قَدْ يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى غَيْرِهِمْ بِالْوُصُولِ إِلَى تِلْكَ الْمَنَازِلِ وَقَالَ بن التِّينِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بَلَى جَوَابَ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِمْ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ وَكَأَنَّهُ قَالَ بَلَى يَبْلُغُهَا رِجَالٌ غَيْرُهُمْ قَوْلُهُ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ أَيْ حَقَّ تَصْدِيقِهِمْ وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ رُسُلَهُ وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ رِجَالٌ يُشِيرُ إِلَى نَاسٍ مَخْصُوصِينَ مَوْصُوفِينَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ وُصِفَ بِهَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ بَلَغَ تِلْكَ الْمَنَازِلَ صِفَةٌ أُخْرَى وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ لَهُمْ ذَلِكَ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَبْلُغُهَا مَنْ لَهُ عَمَلٌ مَخْصُوصٌ وَمَنْ لَا عَمَلَ لَهُ كَانَ بُلُوغُهَا إِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمِنْهُمْ وَأَنْعَمَا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام وَقَالَ بن التِّينِ قِيلَ إِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَبْلُغُونَ دَرَجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَبْلُغُونَ هَذِهِ الْمَنَازِلَ الَّتِي وَصَفَ وَأَمَّا مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهَا فَوْقَ ذَلِكَ قُلْتُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأَقْوَامٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ هَكَذَا فِيهِ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فَفَسَدَ تَأْوِيلُ الدَّاوُدِيِّ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْغُرَفَ الْمَذْكُورَةَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَمَّا مَنْ دُونَهُمْ فَهُمُ الْمُوَحِّدُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ أَصْحَابُ الْغُرَفِ الَّذِينَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ وَمَنْ دُونَهُمْ مَنْ دَخَلَ بِالشَّفَاعَةِ وَيُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ قَوْلُهُ فِي صِفَتِهِمْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ وَتَصْدِيقُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ صَدَّقَ بِمَنْ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَهُوَ بِطَرِيقِ التَّوَقُّعِ لَا بِطَرِيقِ الْوَاقِعِ وَالله أعلم
(قَوْلُهُ بَابُ صِفَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ)
هَكَذَا تَرْجَمَ بِالصِّفَةِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالصِّفَةِ الْعَدَدَ أَوِ التَّسْمِيَةَ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي
الصفحة 328