كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 6)
تَعَالَى وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا ثُمَّ أَجَابَ بِتَجْوِيزِ أَنَّ التَّحْرِيقَ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ ثُمَّ قَالَ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِنَا كَانَ جَائِزا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ذُمَّ عَلَيْهِ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ يُذَمُّ الرَّفِيعُ الْقَدْرِ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى انْتَهَى وَالتَّعْبِيرُ بِالذَّمِّ فِي هَذَا لَا يَلِيقُ بِمَقَامِ النَّبِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ بِالْعِتَابِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ إِنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ حَيْثُ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ بِإِهْلَاكِ جَمْعٍ آذَاهُ مِنْهُ وَاحِدٌ وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الصَّبْرُ وَالصَّفْحُ وَكَأَنَّهُ وَقَعَ لَهُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مُؤْذٍ لِبَنِي آدَمَ وَحُرْمَةُ بَنِي آدَمَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ فَلَوِ انْفَرَدَ هَذَا النّظر وَلم يَنْضَم إِلَيْهِ التَّشَفِّي لَمْ يُعَاتَبْ قَالَ وَالَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا التَّمَسُّكَ بِأَصْلِ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً انْتَهَى تَكْمِلَةٌ النَّمْلَةُ وَاحِدَةُ النَّمْلِ وَجَمْعُ الْجَمْعِ نِمَالٌ وَالنَّمْلُ أَعْظَمُ الْحَيَوَانَاتِ حِيلَةً فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ أَنْذَرَ الْبَاقِينَ وَيَحْتَكِرُ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ لِلشِّتَاءِ وَإِذَا خَافَ الْعَفَنَ عَلَى الْحَبِّ أَخْرَجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ وَإِذَا حَفَرَ مَكَانَهُ اتَّخَذَهَا تَعَارِيجَ لِئَلَّا يَجْرِيَ إِلَيْهَا مَاءُ الْمَطَرِ وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ مَا يَحْمِلُ أَثْقَلَ مِنْهُ غَيره وَالَّذِي فِي النَّمْلِ كَالزُّنْبُورِ فِي النَّحْلِ قَوْلُهُ أُمَّةٌ من الْأُمَم مسبحة اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى حَقِيقَةً وَيَتَأَيَّدُ بِهِ قَوْلُ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّسْبِيحِ
الصفحة 359