كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 6)
(قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي القرنين إِلَى قَوْلِهِ سَبَبًا)
كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ ثُمَّ اتَّفَقُوا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى آتوني زبر الْحَدِيد وَفِي إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ تَرْجَمَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ إِشَارَةٌ إِلَى تَوْهِينِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ الْيُونَانِيُّ لِأَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَيْنَ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى أَكْثَرُ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الْمُتَأَخِّرَ لُقِّبَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْمُتَقَدِّمِ لِسَعَةِ مُلْكِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى الْبِلَادِ الْكَثِيرَةِ أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْفُرْسِ وَقَتَلَ مَلِكَهُمِ انْتَظَمَ لَهُ مُلْكُ الْمَمْلَكَتَيْنِ الْوَاسِعَتَيْنِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ فَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِذَلِكَ وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي قَصَّ اللَّهُ نَبَأَهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا مَا ذَكَرْتُهُ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَا رَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ حَجَّ مَاشِيًا فَسَمِعَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فَتَلَقَّاهُ وَمن طَرِيق عَطاء عَن بن عَبَّاسٍ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَسَلَّمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَصَافَحَهُ وَيُقَالُ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَافَحَ وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَقَالَ وَكَيْفَ وَقَدْ أَفْسَدْتُمْ بِئْرِي فَقَالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِي يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَذَكَرَ بن هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ تَحَاكَمَ إِلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي شَيْءٍ فَحَكَمَ لَهُ وَرَوَى بن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ قَدِمَ مَكَّةَ فَوَجَدَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَبْنِيَانِ الْكَعْبَةَ فَاسْتَفْهَمَهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا نَحْنُ عَبْدَانِ مَأْمُورَانِ فَقَالَ مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا فَقَامَتْ خَمْسَةُ أَكْبُشٍ فَشَهِدَتْ فَقَالَ قَدْ صَدَقْتُمْ قَالَ وَأَظُنُّ الْأَكْبُشَ الْمَذْكُورَةَ حِجَارَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَنَمًا فَهَذِهِ الْآثَارُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَدُلُّ عَلَى قِدَمِ عَهْدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ثَانِيَ الْأَوْجُهِ قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا وَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ كَافِرًا وَكَانَ معلمه ارسطا طاليس وَكَانَ يأتمر
الصفحة 382