كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 6)

وقد دلَّ القرآن على أن الله تعالى يبدأ باللطف، ثم بالخِذْلان، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 94 - 95] وربما عبَّر عن عدم اللطف بالعبد حيث لا يعاقب بالإضلال، وحيث لا يستحق ثواباً على شيءٍ من طاعاته بالتخلية بين العبد وبين نفسه، كما رواه الحاكم في سبب ذنب داود عليه السلام وصحَّحه من حديث كُرَيْبٍ، عن ابن عباس -في تفسير سورة ص- (¬1) [قال: ما أصاب داود ما أصابه بعد القدر إلاَّ من عُجْب عجب به من نفسه، وذلك] (¬2) أنه قال: يا رب ما من ساعةٍ من ليلٍ ولا نهارٍ إلاَّ وعابدٌ من آل داود يعبدك، ويُصلِّي لك، أو يُسَبِّحُ أو يُكبِّرُ، فكره الله ذلك، فقال له: يا داودُ إن ذلك لم يكن إلاَّ بي، ولولا عَوْني لك ما قَوِيتَ عليه، وعِزَّتي وجلالي، لأكِلنَّك إلى نفسك يوماً، قال: فأخبرني [به] يا رب، فأصابته السيئة ذلك اليوم (¬3).
وكذا رُوِيَ نحو ذلك في سبب ذنب آدم عليه السلام (¬4).
¬__________
(¬1) في (أ) و (ش) زيادة: " عن ابن عباس "، وليس لها موضع.
(¬2) زيادة من " المستدرك " لا بد منها.
(¬3) أخرجه الحاكم 2/ 433 عن إسماعيل بن محمد الفقيه بالريّ، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس، أنبأنا سليمان بن داود الهاشمي البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عباس موقوفاً، وصححه ووافقه الذهبي مع أن رواية البغداديين عن عبد الرحمن بن أبي الزناد فيها ضعف.
وذكره السيوطي في " الدر المنثور " 7/ 156 وزاد نسبته إلى البيهقي في " الشعب ".
(¬4) أخرج الترمذي (3368)، وابن حبان (6167)، وابن سعد في " الطبقات " 1/ 27 - 28، والحاكم 1/ 64 و2/ 585 - 586 من حديث أبي هريرة، ولفظه: " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح، عطس، فقال: الحمد لله، فحَمِدَ الله بإذن الله، فقال له ربُّه: يرحمك

الصفحة 111