كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 6)

المائدة: {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 115].
وقد ذكرت في الأقدار في الحكمة في الشرور أنَّ هذه الآية من أبين الدِّلالات على أن كثيراً مما نحسبه خيراً شر عظيم، ألا ترى أن كل أحد يجتهد في وضوح معرفة الآيات الدالة على الله، ويَوَدُّ أن يكاشف بالخوارق ليطمئن قلبه كما سأل ذلك الخليل الذي علم الله سبحانه أنه يستحقه وينتفع به ولا يتضرر كما قال فيه {وكُنَّا به عالمينَ} [الأنبياء: 51]، وأحدنا لو أُعطيَ ذلك مع ما علم الله من ركوبه الذنوب بعد ذلك كان وسيلةً إلى التنكيل به لما علم الله في عقوبات عبيد السوء من المصالح والغايات الحميدة.
ومنه: حديثُ عُبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يريد أن يُخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رَجُلان، فقال: " خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلةِ القدر فتلاحى رجلان، فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيراً لكم " رواه البخاري في " الصحيح "، ورواه أحمد من طريق محمد بن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس، عن عُبادة، وهو سندٌ صحيح على شرط الجماعة (¬1).
ومما يعضد ذلك مع ما تقدم حديث جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لما عُرِجَ بإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يفجُرُ بامرأة، فدعا عليه، فأُهِلك، ثم رأى رجلاً على معصيةٍ، فدعا عليه، فأوحى الله تعالى إليه: إنه عبدي، وإنَّ قَصْرَهُ مني
¬__________
(¬1) أخرجه الطيالسي (576)، وأحمد 5/ 313 و319 و324، وأبن أبي شيبة 3/ 73، والدارمي 2/ 27 - 28، والبخاري (49) و (2023) و (6049)، وابن خزيمة (2198)، وابن حبان (3679)، والبيهقي 4/ 311، والبغوي (1821).
وأخرجه مالك 1/ 320 عن حميد، عن أنس. لم يذكر فيه عبادة.
قال الحافظ في " الفتح " 4/ 268: وقال ابن عبد البر: والصواب: إثبات عبادة وأن الحديث من مسنده.

الصفحة 147