كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 6)
قال الذَّهبي: هذا حديث صالح الإسناد غريب لم أجده في الكتب الستة.
قلتُ: رواه الحاكم في " المُستدرك " من طريق سليمان بن حرب، وشيبان بن أبي شيبة، ويزيد بن صالح، ومحمد بن أبان أربعتهم عن جرير بن حازم، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وقال: على شرطهما، ولا نَعْلَمُ له علةً.
وقد رواه السبكي موقوفاً على ابن عباس (¬1)، ولم يذكر رفعه، فإذا سَلِمَ من الإعلال برُجحان الوقف كان أصلحها إسناداً.
ومعنى هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى: التحذيرُ من مجاراة المبتدعة في القَدَرِ، والجدل بغير علم، وبغير حقٍّ المؤدي إلى الباطل، وإثارة الشر كما هو الظاهرُ من حديث أبي هريرة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: " أُخِّرَ الكلام في القدر لشرارِ أُمتي في آخر الزمان " فهذا الذي أُخر هو الخوض فيه على أحد هذه الوجوه (¬2) الفاسدة.
فأمَّا الخوض فيه على جهة التعرف والتعلم لما جاءت به الشريعة، ثم الإيمان به على الوجه المشروع، فإنه لم يؤخر هذا لشرار الأمة، بل قد تواتر أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخاضوا في معرفته، وفي وجوب الإيمان به كما يأتي ذلك في الفائدة الثالثة، فلم يزجُرْهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك القَدْرِ من الخوض فيه لما كان وسيلةً إلى الإيمان به، ولم يكن فيه شيءٌ من شعار المبتدعة، وكذلك لم يترك الجواب (¬3) عليهم بالقدر الواجب بيانُه في ذلك.
وقد احتجَّ الإمام العلامة أبو عمر بن عبد البر على ذلك في كتابه " التمهيد " بحديث محاجَّة موسى وآدم في القدر، وهو من أصح الأحاديث كما يأتي بيانه.
¬__________
(¬1) أخرجه عبد الله بن أحمد في " السنة " (703)، واللالكائي في " السنة " (1127) من طريق أبي عاصم، عن جرير، عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفاً.
(¬2) في (ش): الأمور.
(¬3) في (ش): وكذلك تم الجواب.