كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 6)

قلت: والذي يوضح الأول قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى: 14] بعد قوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13] وفي اختلاف بني إسرائيل آيةٌ أصرح منها.
وأيضاً فلن يجتمع الناس مع بقاء كثرتهم واختلاف فِطَنِهم وطبائعهم وإسلامهم على كُفرٍ ولا إسلام.
وقد حكى الله اختلاف الملائكة في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص: 69].
وجاء في الحديث الصحيح: اختلافهم في الذي قتل مئة نفسٍ ثم تاب (¬1).
واختلف الخَضِرُ وموسى (¬2)، وسليمان وداود (¬3)، وآدم وموسى (¬4)، بل قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] وأمثالها.
فدلَّ على أن الاختلاف من لوازم الاختيار فيما يوجب الاجتماع عادةً، ولا يقع غير ذلك عادةً، كما لا يجتمعون على مأكولٍ واحد دون سائر الأطعمة، ولا على اختيار بلد ولا صناعة إلاَّ أن يشاء الله، لكن قد أخبر الله أنه لا يُريدُ جمعهم على الكُفْر، وذلك بَيِّنٌ في قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33]. الآية.
¬__________
(¬1) تقدم تخريجه في 1/ 219.
(¬2) تقدم تخريجه في 1/ 218.
(¬3) يشير إلى قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}.
(¬4) تقدم تخريجه في 1/ 218.

الصفحة 207