كتاب تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (اسم الجزء: 6)

إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] «1» ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» «2» [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة «3» ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] «4» سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] «5» .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ «6» . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود «7»
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ «8» وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ «9» وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل «10»
وقال عقيل:
__________
(1) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.
(2) السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.
(3) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.
(4) زيادة عن نسخة أصفهان.
(5) كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.
(6) سورة مريم: 90.
(7) جامع البيان للطبري: 15/ 290.
(8) سورة الأعراف: 154.
(9) سورة محمد: 21.
(10) جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.

الصفحة 185