كتاب تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (اسم الجزء: 6)
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] «1» وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] «2» إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» «3» [94] .
__________
(1) في النسخة المعتمدة بدلها: روى.
(2) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.
(3) سنن أبي داود: 2/ 249.