كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 6)

فقالت: أَوَتَعُدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
وحكي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا برجل على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم،................
__________
والتحتية للمجهول، وفتح همزة الاستهام والواو العاطفة، والهمزة مقدمة من تأخير، أو داخلة على مقدر معطوف عليه على الخلاف الشهير، أي: أتعجب وتعد هذا" الكلام "فصاحة؟ أي: فصيحًا، "بعد قوله تعالى" أي: مع فصاحة القرآن، لا يعد غيره فصيحًا لسامعه، فإنه أزرى بكل فصاحة فصيرها كالعدم، "وأوحينا" الآية، وحي إلهام أو منام {إِلَى أُمِّ مُوسَى} الآية. ولم يشعر بولادته عن أخته {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} الآية. البحر، أي: النيل {وَلا تَخَافِي} الآية. "غرقه" {وَلا تَحْزَنِي} الآية، لفراقه، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، الآية فأرضعته ثلاثة أشهر، لا يبكي، وخافت عليه، فوضعته في تابوت مطلي بالقار من داخل، ممهد له, وألقته في بحر النيل ليلًا، "فجمع في آية واحدة بين أمرين:" أرضعيه وألقيه، "ونهيين" ولا تخافي ولا تحزني, و"خبرين" {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} , {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} "وبشارتين" {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} الآية. وهذا أولى من جعل الخبرين: أوحينا وخفت؛ لأنَّ أوحينا وحده ليس هو المقصود بالإخبارية، وخفت، وإن كان خبرًا في الأصل لكنه باقترانه بأداة الشرط خرج عن كونه خبرًا، ولا يضر كون {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} خبرًا وبشارة، لاختلاف الجهة فيهما، ثم المراد بالفصاحة هنا البلاغة؛ لأنها تطلق عليها، كما قال عبد القاهر.
قال في الشفاء: فهذا، أي: الجمع بين ما ذكر في آية واحدة نوع من إعجازه، منفرد بذاته، غير مضاف لغيره على التحقيق والصحيح.
"وحكي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يومًا نائمًا في المسجد" النبوي, فإذا -فجائية- برجل" بباء الملابسة على رأسه" أي: منتصف القامة بجانب رأس عمر، وهو حقيقة عرفية في مثله "يتشهد شهادة الحق" أي: ينطق بالشهادة, فاستخبره، فأعلمه، كما في الشفاء فسقط من الناسخ لفظ: فاستخبره, وفي نسخة: خبَّره، أنَّه من بطارقة الروم -جمع بطريق، ككبريت- القائد من قواد الروم، تحت يده عشرة آلاف رجل، كما في القاموس.

الصفحة 438