كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 117
خالف أمرك ، وكان المقام لخطاب المقبلين ، طوى هذا المقدر لأنه للمعرضين ، ودل عليه بقوله عاطفاً عليه : ( وبشر المؤمنين ) أي الذين صح لهم هذا الوصف .
فإنك مبشر ) بأن لهم ( وبين عظمة هذه البشرى بقوله : ( من الله ) أي الذي له جميع صفات الحسنة إلى ما لا يعلمه إلا الله .
ولما أمره سبحانه يسر نهاه عما يضر ، فقال ذاكراً ثمرة النذارة : ( ولا تطع الكافرين ) أي المشاققين ) والمنافقين ) أي لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلته إليك من الإنزال ، وغيره كراهة شيء من مقالهم أو فعالهم في أمر زينب أو غيرها ، فإنك نذير لهم ، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحاً بما اقتضاه ما قبله : ( ودع ) أي اترك على حالة حسنة بك وأمر جميل لك ) أذاهم ( فلا تراقبه في شيء ، ولا تحسب له حساباً أصلاً ، واصبر عليه فإنه غير ضائرك لأن الله دافع عنك لأنك داع بإذنه .
ولما كان ترك المؤذي ، والإعراض عنه استسلاماً في غاية المشقة ، ذكره بالدواء فقال : ( وتوكل على الله ) أي الملك الأعلى في الانتصار لك منهم وإبلاغ جميع ما يأمرك به وفي أمرك لأن الله متم نورك ومظهر دينك والاكتفاء به من ثمرات إنارته لك بجعلك سراجاً ، ولما كان الوكيل قد لا ينهض بجميع الأمور ، قال معلماً بأن كفايته محيطه : ( وكفى ( وأكد أمر الكفاية بإيجاد الباء في الفاعل تحقيقاً لكونه فاعلاً كما مضى في آخر سورة الرعد فقال : ( بالله ) أي الذي له بالإحاطة الكاملة ، وميز النسبة بالفاعل في الأصل لزيادة التأكيد في تحقيق معنى الفاعل فقال : ( وكيلاً ( فمن اكتفى به أنار له جميع أمره .
ولما أمر سبحانه بإبلاغ أوامره من غير التفاف إلى أحد غيره ، وكان من المعلوم أنه لا بد في ذلك من محاولات ومنازعات ، لا يقوم بها إلا من أعرض عن الخلائق ، لما هو مشاهد له من عظمة الخالق ، أمر سبحانه بالتوكل عليه ، وأقام الدليل الشهودي بقصة الأحزاب وقريظة على كفاية لمن أخلص له ، فلما تم الدليل رجع إلى بيان ما افتح به السورة من الأحكام بعد إعادة الأمر بالتوكل ، فذكر أقرب الطلاق إلى معنى المظاهرة المذكورة أول السورة بعد الأمر بالتوكل التي محط قصدها عدم قربان المظاهر عنها بعد أن كان أبطل المظاهر .
فقال ناهياً لمن هو في أدنى أسنان الإيمان بعد بشارة المؤمنين قاطعاً لهم عما كانوا يشتدون به في التحجر على المرأة المطلقة لقصد مضاجرتها أو تمام التمكن من التحكم فيه : ( يا أيها الذين آمنوا ) أي ادعوا ذلك ) إذا نكحتم ) أي عاقدتم ،

الصفحة 117