كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 121
يوجد نكاحه لها يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين ، فتصير له مجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود .
ولما كان ربما فهم أن غيره يشاركه في هذا المعنى ، قال مبيناً لخصوصيته واصفاً لمصدر ) أحللنا ( مفخماً للأمر بهاء المبالغة ملتفتاً غلى الخطاب لأنه معين للمراد رافع للارتياب : ( خالصة لك ( وزاد المعنى بياناً بقوله : ( من دون المؤمنين ) أي من الأنبياء وغيرهم ، وأطلق الوصف للرسوخ فشمل من قيد بالإحسان والإيقان ، وغير ذلك من الألوان ، دخل من نزل عن رتبهم من الذين يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس من باب الأولى مفهوم موافقة ، وقد كان الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء .
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله وأقوال : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها ، فلما نزلت ) ترجى من تشاء منهن ( قلت : يا رسول الله ، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .
ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة ، ليمنع غيره من ذلك ، علله بقوله : ( قد ) أي أخبرناك بأن هذا أمر يخصك دونهم لأنا قد ) علمنا ما فرضنا ) أي قدرنا بعظمتنا .
ولما كان ما قدر للإنسان عطاء ومنعنا لا بد له منه ، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال : ( عليهم ) أي المؤمنين ) في أزواجهم ) أي من أنه لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها ولا بدون مهر ولا بدون ولي شهود ، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين .
ولما كان هذا عاماً للحرة والرقيقة قال : ( وما ملكت أيمانهم ) أي من أن أحداً غيرك لا يملك رقيقة بهبتها لنفسها منه ، فيكون أحق من سيدها .
ولما فرغ من تعليل الدونية ، علل التخصيص لفاً ونشراً مشوشاً بقوله : ( لكيلا يكون عليك حرج ) أي ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة .
ولما ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أعلى الناس فهماً وأشدهم لله خشية ، وكان يعدل بينهن ، ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك ) خفف عنه سبحانه بقوله : ( وكان الله ) أي المتصف بصفات الكمال من الحلم والأناة والقدرة وفيها أزلاً وأبداً ) غفوراً رحيماً ) أي بليغ

الصفحة 121