كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 131
مؤكداً تنبيهاً لفاعل ذلك على هذا اللازم لفعله ترهيباً له : ( فإن الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال ) كان ( أزلاً وأبداً به ، هكذا كان الأصل ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال : ( بكل شيء ) أي من ذلك وغيره ) عليماً ( فهم يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في كتمه ، فيجازي عليه من ثواب أو عقاب .
ولما كان المقصود كما تقدم تغليظ الحجاب على ذوات الخدور ، وكان قد ذكر في هذه السورة خصائص وتغيير أحكام للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولأزواجه رضي الله عنهن ولغيرهم ، كان ربما ظن أن الحجاب تغير أو شيء منه بالنسبة إلى الدخول أو غيره ، فاستثنى من عمّه النهي السابق عن الدخول على وجه يعم جميع النساء على نحو ما تقدم في سورة النور فقال : ( لا جناح ) أي إثم ) عليهن في آبائهن ( دخولاً وخلوة من غير حجاب ، والعم والخال أبو الزوج بمصير الزوجين كالشيء الواحد بمنزلة الوالد ) ولا أبنائهن ) أي من البطن أو الرضاعة ، وابن الزوج بمنزلة الولد ، وترك ذكرهم يفهم أن الورع الحجاب عنهم ) ولا إخوانهن ( لأن عارهن عارهم ) ولا أبناء إخوانهن ( فإنهن بمنزلة آبائهم ) ولا أبناء أخواتهن ( فإنهن بمنزلة أمهاتهم ) ولا نسائهن ) أي المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة ، وأما الكافرات فهن بمنزلة الأجانب من الرجال ) ولا ما ملكت أيمانهن ( لأنهم لمل لهن عليهم من السلطان تبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم .
ولما كانت الربية مقطوعاً بنفيها ، وكتنت من جهة النساء أكثر ، لأنه لا يكاد رجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من مخايلها أو مخايل أشكالها ، أقبل عليهن بالخطاب لأنه أوقع في النفس ، فقال آمراً عاطفاً على ما تقديره : فأظهرن على من شئتن من هؤلاء : ( واتقين الله ) أي الذي لا أعظم منه ، فلا تقربن شيئاً مما يكرهه ، وطوى ما عطف عليه الأمر بالتقوى بعد أن ساق نفي الجناح في أسلوب الغيبة ، وأبرز الأمر بها وجعله في أسلوب الخطاب إيذاناً بأن الورع ترك الظهور على أحد غير من يملك التمتع ، فإن دعت حاجة كان مع الظهور حجاب كثيف من الاحتشام والأدب التام .
ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضراً مطلقاً ، قال معللاً مؤكداً تنبيهاً على أن فعل من يتهاون في شيء من أوامره فعل من لا يتقي ، ومن لا يتقي كمن يظن أنه سبحانه غير مطلع عليه : ( إن الله ) أي العظيم الشأن ) كان ( أزلاً وأبداً ) على كل شيء ( من أفعالكن وغيرها ، ولمزيد الاحتيلط والورع في ذلك عبر بقوله : ( شهيداً ) أي لا يغيب عنه شيء وإن دق ، فهو مطلع عليكن حال الخلوة ممن ذكر ، كما هو مطلع