كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 132
على غير ذلك فليحذوره كل أحد في حال الخلوة كما يحذره في حال الجلوة ، فبا لها من عظمة باهرة ، سطوة ظاهرة قاهرة ، يحق لكل أحد أن يبكي منها الدماء فضلاً عن الدموع ، وأن تمنعه مريع القرار ولذيذ الهجوع ، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قال : ( أستأذن عليّ أفلح أخو أبي القعيس رضي الله عنه بعم ما أنزل الحجاب ، فقلت : لا آذن له حتى استأذن فيه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فدخل عليّ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت : يا رسول الله أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : وما يمنعك ؟ قلت : يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فقال : ائذني له فإنه عمك تربت يمينك ، قال عروة : فلذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول : حرموا من الرضاعة ما تحرموا من النسب ) .
ولما كانت هذه الآيات وما قبلها وما بعدها في إظهار شرف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وبيان مناقبه ، علل الأوامر فيها والنواهي وغيرها بقوله ، مؤكداً لاقتضاء الحال ذلك أما ممن آذاه بالجلوس في غير حينه فواضح ، وأما غيره فكان من حقهم أن لا يفارقوا المجلس حتى يعلموا من لا يعرف الأدب ، فكان تهاونهم في ذلك فعل من لا يريد إظهار شرفه ( صلى الله عليه وسلم ) فهو تأديب وترهيب : ( إن الله ) أي وعملكم محيط بأن له مجامع الكبر والعظمة والعز ) وملائكته ) أي وهم أهل النزهة والقرب والعصمة .
ولما كان سبحانه قد قدم قوله : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ) فأفرد كلاً بخبر ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أعلى المخاطبين حظاً فإنه رأس المؤمنين ، أفرده هنا بهذه الصلاة التي جمع فيها الملائكة الكرام معه سبحانه وجعل الخبر عنه قولاً واحداً ليكون أتم ، فإن قولك : فلان وفلان ينصران فلاناً ، أضخم من قولك : فلان ينصره وفلان ، فقال تعالى : ( يصلون على النبي ) أي يظهرون شرفه وما له من الوصلة بالملك الأعظم بما يوحيه الله إليه من عجائب الخلق والأمر من عالم الغيب والشهادة ، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما كما وراه البخاري : ( يبركون ) .
ولما كانت ثمرة المراد بهذا الإعلام التأسي ، علم بآخر الكلام أن المعنى :