كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 135
أباح أذاهم ) فقد احتملوا ) أي كلفهم أنفسهم أن حملوا ) بهتاناً ) أي كذباً وفجوراً زائداً على الحد موجباً للخزي في الدنيا ، ولما كان من الناس من لا يؤثر فيه العار ، وكان الأذى قد يكون بغير القول ، قال : ( وغثماً مبيناً ) أي ذنباً ظاهراً جداً موجباً للعذاب في الأخرى .
ولما نهى سبحانه عن أذى المؤمنات ، وكانت الحرائر بعيدات عن طمع المفسدين لما لهن في أنفسهن من الصيانة وللرجال بهن من العناية ، وكان جماعة من أهل الريبة يتبعون الإماء إذا خرجن يتعرضون لهن للفساد ، وكان الحرائر يخرجن لحاجتهن ليلاً ، فكان ربما تبع المرأة منهن أحد من أهل الريب يظنها أمه أو يعرف أنه حرة ويعتل بأنه ظنها أمه فيتعرض لها ، وربما رجع فقال لأصحابه : فعلت بها - وهو كاذب ، وفي القوم من يعرف أنها فلانة ، فيحصل بذلك من الأذى ما يقصر عنه الوصف ، ولم يكن إذ ذاك كما نقل عن مقاتل فرق بين الحرة ويتحشمن يخفف هذا الشر ، قال تعالى : ( يا أيها النبي ( فذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة ، لأن السياق لحكمة يذب بها عن الحريم لئلا يشتغل فكره ( صلى الله عليه وسلم ) بما يحصل لهن من الأذى عن تلقي شيء من الواردات الربانية ) قل لأزواجك ( بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح ) وبناتك ( ثنى بهن لما لهن من الوصلة ولهن في أنفسهن من الشرف ، وأخرهن عن الأزواج لأن زواجه يكفوفه أمرهن ) ونشاء المؤمنين يدنين ) أي يقربن ) عليهن ) أي على وجوهن في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظناً أن ذلك أخفى لهن وأستر ، والجلباب القميص ، وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة ، والملحفة ما ستر اللباس ، أو الخمار وهو كل ما غطى الرأس ، وقال البغوي : الجلباب : الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار ، وقال حمزة الكرماني : قال الخليل : كل ما تستتر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب ، والكل يصح إرادته هنا ، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي يديها ورجليها ، وإن كان ما يغطي الرأس فادناؤه ستر وجهها وعنقها ، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فادناؤه تطويله وتوسيعه بحيث ستر جميع بدنها وثيابها ، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين .
ولما أمر بذلك علله بقوله : ( ذلك ) أي الستر ) أدنى ) أي أقرب من تركه في ) أن يعرفن ( أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء ) فلا ) أي فيتسبب عن معرفتهن أن لا ) يؤذين ( ممن يتعرض للإماء .
فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء