كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 146
يكون بالنظر إلى الحامد ، وتارة إلى المحمود ، فالثاني اتصاف المحمود بالجميل ، والأول وصف الحامد له بالجميل ، فحمد لله تعالى اتصافه بكل وصف جميل ، وحمد الحامد له وصفه بذلك ، فكل الأكوان ناطقة بألسن أحوالها بحمده سواء أنطق لسان القال بذلك أم لا ، وهو محمود قبل تكوينها ، وذلك هو معنى قولي الإحاطة بأوصاف الكمال ، وحمد غيره له تارة يطلق بالمدلول اللغوي ، وتارة بالمدلول العرفي ، وتحقيق ما قال العلماء في ذلك في نفسه وبالنسبة بينه وبين الشكر أن الحمد في اللغة هو الوصف بالجميل الاختياري على جهة التعظيم ، ومورده اللسان وحده فهو مختص بالظاهر ومتعلقه النعمة وغيرها ، فمورده خاص ومتعلقه عام ، والشكر لغة على العكس من ذلك متعلقه خاص ومورده عام ، لأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب إنعامه فمورده الظاهر والباطن لأنه يعم اللسان والجنان والأركان ، ومتعلقه النعمة الواصلة إلى الشاكر ، ومن موارده القلب وهو أشرف الموارد كلها ، لأنه فعله وإن كان خفياً يستقل بكونه شكراً من غير أن ينضم إليه فعل غير بخلاف الموردين الآخرين ، إذ لا يكون فعل شيء منهما حمداً ولا شكراً حقيقة ما لم ينضم إليه فعل القلب .
ولما كان تعاكس الموردين والمتعلقين ظاهر الدلالة على النسبة بين الحمد والشكر اللغويين ، علم أن بينهما عموماً وخصوصاً وجيهاً ، لأن الحمد قد يترتب على الفضائل المجردة ، والشكر قد يختص بالفواضل ، فينفرد الحمد من هذه الجهة ، وينفرد الشكر بالعفل الظاهر والاعتقاد الباطن على الفواضل من غير قول ، ويجتمعان في الوصف الجناني واللساني على الفواضل ، ففعل القلب اعتقاد اتصاف المشكور بصفات الكمال من الجلال والجمال ، وفعل اللسان ذكر ما يدل على ذلك ، وفعل الأركان الإيتان بأفعال دالة على ذلك .
ولما كان هذا حقيقة الحمد والشكر لغة لا عرفاً ، وكانت الأوهام تسبق إلى أن الحمد ما يشتمل على لفظ ح م د ، قال القطب الرازي في شرح المطالع : وليس الحمد عبارة عن خصوص قول القائل ( الحمد لله ) وإن كان هذا القول فرداً من أفراد الماهية ، وكذا ليس ماهية الشكر عبارة عن خصوص قول القائل ( الشكر لله ) ولا القول المطلق الدال على تعظيم الله وإن كان الثاني جزءاً منه والأول فرد من هذا الجزء ، وحقيقة الحمد في العرف ما يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً ، وحقيقة الشكر العرفي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من القوى إلى ما خلق له كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته للاعتبار إلى عليّ حضراته ، وإلقاء السمع إلى تلقي ما يبنئ عن مرضاته ، والاجتناب عن منهياته ، فذكر الوصف في اللغوي يفهم الكلام سواء كان نفسائياً أو

الصفحة 146