كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 158
إرادته بقوله ، منزلاً الجبال منزلة العقلاء الذين يبادرون إلى امتثال أوامره ، تنبيهاً على كمال قدرته وبديع تصرفه في الأشياء كلها جواباً لمن كأنه قال : ما ذلك الفضل ؟ مبدلاً من ) أتينا ( ) يا ) أي قلنا لأشد الأرض : يا ) جبال أوبي ) أي رجعي التسبيح وقراءة الزبور وغيرهما من ذكر الله ) معه ) أي كلما سبح ، فهذه آية أرضية مما هو أشد الأرض بما هو وظيفة العقلاء ، ولذلك عبر فيه بالأمر دلالة على عظيم القدرة .
ولما كانت الجبال أغلظ الأرض وأثقلها ، وكان المعنى : دعونا الجبال للتأويب معه ، فبادرت الإجابة لدعائنا ، لما تقدم من أنها من جملة من أبى أن يحمل الأمانة ، عطف على ذلك أخف الحيوان وألطفه ، ليكون آية سماوية ، على أنه يفعل في السماء ما يشاء ، فإنه لو أمات الطائر في جو السماء لسقط ، ولا فرق في ذلك بين عال وعال ، فقال : ( والطير ) أي دعوناها أيضاً ، فكانت ترجع معه الذكر فدل قرانها بالطير على ذكرها حقيقة كذكر الطير دفعاً لتوهم من يظنه رجع الصدا ، وقراءة يعقوب بالرفع عطف على لفظ ( جبال ) وقراءة غيره عطف على موضعه ، أو تكون الواو بمعنى مع أو بتقدير فعل من معنى ما مضى كسخرنا ، قال وهب بن منبه : كان يقول للجبال : سبحي ، وللطير : أجيبي ، ثم يأخذ وهو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن ، فلا يرى الناس منظراً أحسن من ذلك ، ولا يسمعون شيئاً أطيب منه ، وذلك كما كان الحصى يسبح في كف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكما كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل ، وكما كان الحجر يسلم عليه ، وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه ، وحنين الجذع مشهور ، وكما كان الضب يشهد له والجمل يشكو أخذ بيضها ، فأمره النبي ( صلى الله عليه وسلم ) برده رحمة لها .
ولما ذكر طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله منها .
ذكر ما أنشأه سبحانه من ذلك الأكثف ، وهو أصلب الأشياء فقال : ( وألنا له الحديد ) أي الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع يعمل منه ما يريد بلا نار ولا مطرقة ، ثم ذكر علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله فقال : ( أن أعمل سابغات ) أي دروعاً طوالاً واسعة .
ولما كان السرد الخزر في الأديم وإدخال الخيط في موضع الخرز شبه إدخال الحلقة في الأخرى بلحمة لا طرف لها بمواضع الخرز فقال : ( وقدر في السرد ( أي

الصفحة 158