كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 168
قبل السيرة النبوية بيسير في الكلام على الكهان ، كانت من أخصب أرض اليمن وأثراها ، وأعذابها وأغداها ، واكثرها جناناً ، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال في العرض مثل ذلك ، يسير الراكب من أولها إلى ان ينتهي إلى آخرها ، لا تواجهه الشمس ولا يفارقها الظل ، لاستتار الأرض بالأشحار واستيلائها عليها وإحاطتها بها ، فكان أهلها في أطيب عيش وأرفعه وأهنأ حال وأرغده ، في نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء الفضاء وتدفق الماء ، وقوة الشوكة واجتماع الكلمة ، وشتاتهم بين العباد ) آية ) أي علامة ظاهرة على قدرتنا على ما نريد ، ثم فسر الآية بقوله : ( جنتان ( مجاورتان للطريق ) عن يمين وشمال ) أي بساتين متصلة وحدائق مشتبكة ، ورياض محتبكة ، حتى كان الكل من كل جانب جنة واحدة لشدة اتصال بعضه ببعض عن يمين كل سالك وشماله في أي مكان سلك من بلادهم ليس فيها موضع معطل ، وقال البغوي : عن يمين واديهم وشماله ، قد احاط الجنتان بذلك الوادي .
وأشار إلى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله : ( كلوا ) أي لا تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم : كلوا ) من رزق ربكم ) أي المحسن إليكم الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون ) واشكروا له ) أي خصوه بالشكر بالعمل بما أنعم به في ما يرضيه ليديم لكم النعمة ، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله : ( بلدة طيبة ) أي كريمة التربة حسة الهواء سليمة من الهوام والمضمارلا يحتاج ساكنها إلى ما يتبعه فيعوقه عن الشكر ، قال ابن زيد : لا يوجد فيها برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا حية ، ولا تقمل ثيابهم ، ولا تعيا دوابهم .
وأشار إلى أنه لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره بقوله : ( ورب غفور ) أي لذنب من شكره وتقصيره بمحو عين ما قصر فيه وأثره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب ، ولولا ذلك ما أنعم عليكم بما أنتم فيه ولأهلككم بذنوبكم ، وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء اليمن - قال : في بعضها عنب يعمل منه زبيب كبار جداً في مقدار در - تلي بلاد الشام ، وهو في غاية الصفاء كأنه قطع المصطكا وليس له نوى أصلاً .
ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر ، دل على ذلك بقوله : ( فأعرضوا ( ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم ، بينه بقوله : ( فأرسلنا ( ودل على أنه إرسال عذاب بعد مظهر العظمة بأداة الاستعلاء فقال : ( عليهم سيل العوم ) أي سيح المطر الغالب المؤذي الشديد الكثير الحاد الفعل المتناهي في الأذى الذي لا يرده شيء ولا تمنعه حيلة بسد ولا غيره من العرامة ، وهي الشدة والقوة ، فأسد عليهم جميع ما

الصفحة 168