كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 175
( إلا ) موضع ( لكن ) إشارة إلى أنه مكنه تمكيناً تاماً صار به كمن له سلطان حقيقي .
ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصاً في العلم أو في القدرة ، قال مشيراً إلى أنه سبحانه يسره ( صلى الله عليه وسلم ) بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل أكثره من أمته فقال : ( وربك ) أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنوتك وإخسائه عن أمتك ) على كل شيء ( من المكلفين وغيرهم ) حفيظ ) أي حافظ أتم حفظ محيط به مدبر له على وجه العلو بعمله الكامل وقدرته الشاملة ، فلا يفعل الشيطان ولا غيره شيئاً إلا بعلمه وإذنه .
ولما أثبت سبحانه لنفسه ولذاته الأقدس من الملك في السماوات والأرض وغيرهما ما رأيت ، واستدل عليه من الأدلة التي لا يمكن التوصيب إليها بطعن بما سمعت ، وكان المقصود الأعظم التوحيد فإنه أصل ينبني عليه كل خير قال : ( قل ) أي با أعلم الخلق بإقامة الإدلة لهؤلاء الذين شاركوا ما لا يشك في حقارته من له أدنى مسكة : ( ادعوا الذين زعمتم ) أي أنهم آلهة كما تدعون الله لا سيما في وقت الشدائد ، وحذف مفعولي ( زعم ) وهما ضميرهم وتألههم تنبيهاً على استهجان ذلك واستبشاعه ، وليس المذكور في الآية مفعولاً ولا قائماً مقام المفعول لفساد المعنى ؛ وبين حقارتهم بقوله : ( من دون الله ) أي الذي حاز جميع العظمة لشيء مما أثبته سبحانه لنفسه فليفعلوا شيئاً مثله أو يبطلو شيئاً مما فعله سبحانه .
ولما كان جوابهم في ذلك السكوت عجزاً وحيرة ، تواى سبحانه الجواب عنهم ، إشارة إلى أن جواب كل من له تأمل لا وقفة فيه بقوله ، معبراً عنهم بعبارة من له علم بإقامتهم في ذلك المقام ، أو لأن بعض من ادعيت إلآهيته ممن له علم : ( لا يمكلون ) أي الآن ولا يتجدد لهم شيء من ذلك أصلاً .
ولما كان المراد المبالغة في الحقارة بما تعرف العرب قال : ( مثقال ذرة ( ولما أريد العموم عبر بقوله : ( في السموات ( وأكد فقال : ( ولا في الأرض ( لأن السماء ما علا ، والأرض ما سفل ، والسماوات في العرش ، والأرض في السماء ، فاستغرق ذلك النفي عنهما وعن كل ما فيهما من ذات ومعنى إلى العرش ، وهو ذو العرش العظيم .
ولما كان هذا ظاهراً في نفي الملك الخالص عن شوب المشاركة ، نفى المشاركة أيضاً بقوله مؤكداً تكذيباً لهم فيما يدعونه : ( وما لهم فيهما ) أي السماوات والأرض ولا فيما فيهما ، وأعرق في النفي فقال : ( من شرك ) أي في خلق ولا مُلك ولا مِلك ، وقد انتفى ملكهم لشيء من أنفسهم أو ما أسكن فيها سبحانه من قوة أو منفعة ، فانتفى أن يقدروا على إعانة غيرهم ، وكان للتصريح مزيد روعة للنفوس وهزة للقلوب وقطع

الصفحة 175