كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 179
ولما كانوا بين أمرين : إما أن يسكتوا فيعلم كل سامع أن الحجة لزمتهم ، وإما أن يقولوا بوقاحة ومكابرة : أنتم في الضلال ونحن على الهدى ، وكان الضال لا يزال يقطع ما ينبغي وصله بوصل ما يجب قطعه ، أمره أن يجيبهم على هذا التقدير بما هو أبلغ في الإنصاف من الأول بقوله : ( قل لا تسلؤن ) أي من سائل ما ) عما أجرمنا ) أي قطعنا فيه ما ينبغي أن يوصل مما أوجبه لنا الضلال ) ولا نسئل ) أي أصلاً في وقت من الأوقات من سائل ما ) عما تعلمون ) أي مما بنيتموه على العلم الذي أورثكموه الهدى أي فاتركونا والناس غيركم كما أنا نحن تاركوكم ، فمن وضح له شيء من الطريقين سالكه .
ولما كانوا إما أن يجيبوا إلى المتاركة فيحصلوا لها المصقود عن قريب ، وإما أن يقولوا : لا نترككم ، وكان هذا الاحتمال أرجح ، أمره أن يجيبهم على تقديره بقوله : ( قل يجمع بيننا ربنا ) أي في قضائه المرتب على قدره في الدنيا أو في الأخرة ، قال القشيري : والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد ويستروحون إلى هذا الآية ، وللاجتماع أمر كبير في الشريعة .
ولما كان إنصافهم منهم في غاية البعد عندهم ، وكان ذلك في نفسه في غاية العظمة ، أشار إليه بأداة البعد فقال : ( ثم يفتح ) أي يحكم ) بيينا ( حكماً يسهل به الطريق ) بالحق ) أي الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه ، وهو العدل أو الفضل من غير ظلم ولا ميل .
ولما كان التقدير : فهو الجامع القدير ، عطف عليه قوله : ( وهو الفتاح ) أي البليغ الفتح لما انغلق ، فلم يقدر أحد على فتحه ) العليم ) أي البالغ العمل بكل دقيق وجليل مما يمكن فيه الحكومات ، فهو القدير على فصل جميع الخصومات .
ولما كانوا قد أنكروا البعث على ذلك الوجه الذي تقدم ، ودل على قدرته عليه بما نصب من الأدلة التي شاهدوها من أفعاله بالبصر أو البصيرة إيجاداً وإعداماً ، وأقام الحجة على صحة الدعوة وبطلان ما هم عليه ، ثم تهددهم بالفصل يوم الجمع ، وختم بصفة العلم المحيط المستلزم للقدرة الشاملة ، وكانت القدرة لا تكون شاملة إلا عند الوحدانية ، أمره بما يوجب لهم القطع بوحدانيته وشمول قدرته بقوله : ( قل ) أي لهؤلاء المشركين .
ولما كانت آلهتهم تسهل رؤيتها ، وكان كل ما هو كذلك سافل المقدار عن هذه الرتبة ، وكانت آلهتهم بالخصوص أدنى الأشياء عن ذلك بكونها من أخس الجمادات ، نبه على ذلك وعلى أنها نكرة لا تعرف بقلب ولا تدل عليها فطرة زيادة في تبكيتهم

الصفحة 179