كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 183
أي الذي أحسن إليهم فطال إحسانه فكفروا كلما أحسن به إليهم ) يرجع بعضهم ) أي على وجه الخصام عداوة .
كان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله ، قال القشيري : ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له ، ولكنهم لا يعلمون ذلك ، ولو علموا لاعتبروا ، ولو اعتبروا لتابوا وتوافقوا ، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ) إلى بعض القول ) أي بالملائكة والمباكتة والمخاصمة ، لرأيت امراً فظيعاً منكراً هائلاً شنيعاً مقلقاً وجميعاً يسرك منظره ، ويعجبك منهم أثره ومخبره ، من ذلهم وتحاورهم وتخاذلهم حي لا ينفعهم شيء من ذلك .
ولما كان هذا مجملاً ، فسره بقوله على سبيل الاستئناف : ( يقول الذين استضعفوا ) أي وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك الحالة على سبيل اللوم والتأنيب ) للذين استكبروا ) أي أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين وهم الرؤوس المتبوعون : ( لولا أنتم ) أي مما وجد من استتباعكم لنا على الكفر وغيره من أموركم ) لكنا مؤمنين ) أي عريقين في الإيمان لأنه لم يكن عندنا كبر من أنفسنا يحملنا على العناد للرسل .
ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة ، ذكر الجواب بقوله تعالى : ( قال الذين استكبروا ( على طريق الاستئناف ) للذين استضعفوا ( رداً عليهم وإنكاراً لقولهم أنهم هم الذين صدوهم : ( أنحن ( خاصة ) صددناكم ) أي منعناكم وصرفناكم ) عن الهدى ( ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل قبل إيتان الرسل ، أشاروا إلى ذلك بقولهم : ( بعد إذ جاءكم ) أي على ألسنة الرسل .
ولما كان المعنى : إنا لم نفعل ذلك ، حسن أن يقال : إنهم هم الذين ضلوا بأنفسهم لا بإضلالهم ، فقالوا : ( بل كنتم ) أي جبلة وخلقاً ) مجرمين ) أي عريقين في قطع ما ينبغي وصله بعد إيتان الهدى مختارين لذلك كما كنتم قبله أتباعاً لنا ما ردتم ولا ردنا ، ولما تضمن قولهم أمرين : ادعاء عراقتهم في الإجرام ، وإنكار كونهم سبباً فيه ، أشار إلى ردهم للثاني بالعاطف على غير معطوف عليه إعلاماً بأن التقدير : قال الذين استضعفوا : كذبتم فيما ادعيتم من عراقتنا في الإجرام : ( وقال الذين استضعفوا ( عطفاً على هذا المقدر ) للذين استكبروا ( ردّاً لإنكارهم صدهم : ( بل ( الصاد لنا ) مكرُ الليل والنهار ) أي الواقع فيهما من مكركم بنا ، أو استعير إسناد المكر إليهما لطول السلامة فيهما ، وذلك للاتساع في الظرف في إجرائه مجرى المفعول به ) إذ تأمروننا ( على الاستمرار ) أن نكفر بالله ) أي الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إيتان الرسل ) ونجعل له أنداداً ) أي أمثالاً نعبدهم من دونه ) وأسروا ) أي يرجعون والحال