كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 187
ولما أبطل شبهتهم بشعبيتها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة ، قرب ذلك بدليل واحد في شخص واحد فقال : ( قل ( يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله وقبحها : ( إن ربي ) أي المحسن إليّ بهذا البيان المعجز ) يبسط الرزق ) أي متى شاء ) لمن يشاء من عباده ) أي على سبيل التجدد المستمر من أيّ طائفة كان ) ويقدر وله ) أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين ، وهو بصفة واحد على عمل واحد ، فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة إلى الضيق ، ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله .
ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب للسلامة من النار .
دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله : ( وما أنفقتم من شيء ) أي أنتم وأخصامكم وغيرهم ) فهو يخلفه ) أي لا غيره بدليل أن المنفق قد يجتهد كل الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق ، فدل ذلك على أنه المختص بالإخلاف ، ولأن هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف لكل من ينفق على أي وجه كان ، قال مجاهد كما نقله الرازي في اللوامع : ( إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول الآية ، فإن الرزق مقسوم ، وما عال من اقتصد ) كما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً ، والمعنى أنه قد دل الإخلاف على جميع الأشكال والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ظننتم من الإسعاف به في وقت موجب للإكرام على الدوام ، وأن ذلك إنما هو لضمانه الرزق لكل أحد بحسب ما قسمه له من سبق به عمله وقدرته حكمته ، وتارة يكون إخلافه حساً وبالفعل ، وتارة يكون معنى وبالقوة ، بالترضية بتلك الحالة التي أدت إلى العدم ، قال القشيري : وهو أتم من السرور بالموجود ، ومن ذلك الأنس بالله في الخلوة ، ولا يكون ذلك إلا مع التجريد - انتهى .
والمنفق بالاقتصاد داخل إن شاء الله تعالى تحت قول ( صلى الله عليه وسلم ) فيما رواه الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الله تعالى : ( أنفق أنفق عليك ) وما روى الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضاً ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً ) فهو خير الموسعين ) وهو خير الرازقين ) أي الذين تعدونهم هذا

الصفحة 187