كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)

صفحة رقم 190
لم يدع إليه عقل ولا نقل ، وصدقوهم من الإخبار بما إن صدقوا في شيء منه خلطوا معه أكثر من مائة كذبة ، وسلب أعظم من ادعوا أنهم استندوا إليه النفع والضر ، وأسند تعذيبهم إلى تكذيبهم ، أتبعه الإخبار بأنهم لازموا الإصرار على ذلك الكفر والتكذيب بما كله صدق وحكم فقال : ( وإذا تتلى ) أي في وقت من الأوقات من أيّ تال كان ) عليهم ) أي خاصة لم يشركهم غيرهم ليقولوا : إنه المقصود بالتلاوة ، فلا يلزمهم الاستماع ) آياتنا ( حال كونها ) بينات ( ما قالت شيئً إلا ظهرت حقيته ) قالوا ) أي على الفور من غير تأمل لما حملهم على ذلك من حظ النفس .
ولما كان المستكبرون يرون ما للرسالة من الظهور ، وللرسول من القبول ، وأن أتباعهم قد ظهر لهم ذلك ، فمالوا إليه بكلياتهم ، أكده قولهم : ( ما هذا ) أي التالي لها على ما فيه من السمت المعلم بأنه أصدق الخلق وأعلاهم همة وأبينهم نصيحة ) إلا رجل ) أي مع كونه واحداً هو مثل واحد من رجالكم ، وتزيدون عليه أنتم بالكثرة ، ولم يسندوا الفعل إليهم نفياً للغرض عن أنفسهم وإلهاباً للمخاطبين فقالوا : ( يريد أن يصدكم ) أي بهذا الذي يتلوه ) عما كان ( دائماً ) يبعد آباؤكم ) أي لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعاً ، وألهبوا السامعين بتصوير آبائهم بذكر ( كان ) والفعل المضارع ملازمين للعبادة ليثبتوا على كفرهم بما لا دليل عليه ولا شبهة ولا داع سوى التقليد .
ولما كانت أدلة الكتاب واضحة ، خافوا عاقبتها في قبول الاتباع لها ، فجزموا بأنها كذب ليوقفوهم بذلك ، فحكى ذلك عنهم سبحانه بقوله : ( وقالوا ما هذا ) أي القرآن ) إلا إفك ) أي كذب مصروف عن وجهه ) مفترى ) أي معتمد ما فيه من الصرف .
ولما كان فيه ما لا يشك أحد في حقيقته ، لبسوا عليهم بأنه خيال يوشك أن ينكشف إيقافاً لهم إلى وقت ما ، فقال تعالى إخباراً عنهم : ( وقال ( ولما كان الحق قد يخفى ، ولم يقيده بالبيان كما فعل في الآيات ، أظهر موضع الإضمار بياناً للوصف الحامل لهم على ذلك القول وهو التدليس ، فقال : ( الذين كفروا ) أي ستروا ما دلت عليه العقول من حقيقة القرآن ، ) للحق ) أي الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقية فيه ) لما جاءهم ) أي من غير أن يمهلوا النظر ولا تدبر ليقال إن الداعي لهم إلى ما قالوا نوه شبهة عرضت لهم ، بل أظهروا بالمسارعة إلى الطعن أنه مما لا يتوقف فيه ، وأكدوا لما تقدم من خوفهم على أتباعهم ليخيلوهم فقالوا : ( إن ) أي ما ) هذا ) أي الثابت الذي لا يكون شيء أثبت منه ) إلا سحراً ) أي خيال لا حقيقة له ) مبين ) أي ظاهر العوار جداً ، فهو ينادي على نفسه بذلك ، فلا تغتروا بما فيه مما تميل النفوس ويؤثر في القلوب ، ولقد انصدّ لعمري بهذا التلبيس - مع أن في نسبتهم له إلى السحر الاعتراف

الصفحة 190