كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 6)
صفحة رقم 196
نحوها ، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد ، والآية إرشاد من الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلاً لا يضل ولا يزيغ ، لكنه حفه بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا يكاد يسلم منها إلا منها إلا من عمصه الله ، فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتباً هي العقل الخالص ، وأرسل رسلاً جردهم من تلك القواطع ، فجعل أخلاقهم شرائعهم ، فعلى كل أحد أن يتبع رسله المتخلفين بكتبه متهماً عقله منابذاً رأيه كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ليكون مؤمناً بالغيب حق الإيمان فيدخل في قوله تعالى في سورة فاطر
77 ( ) إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ( ) 7
[ فاطر : 18 ] ولا يكون متناوشاً بعد كشف الغطاء من مكان بعيد .
ولما أبطل شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه ، قال عاطفاً على ) ولو ترى إذ الظالمون ( : ( ولو ترى ) أي تكون منك رؤية ) إذ فزعوا ) أي يفزعون بأخذنا في الدنيا والآخرة ، ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال الآتية بعد هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه ) فلا ) أي فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا ) فوت ) أي لهم منا لأنهم في قبضتنا ، لرأيت أمراً مهولاً وشأناً فظيعاً ، وحقر أمرهم بالبناء للمفعول فقال : ( وأخذوا ) أي عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان قبل الموت أو بعده .
ولما كان القرب يسهل أخذ ما يراد أخذه قال : ( من مكان قريب ) أي أخذاً لا شيء أسهل منه فإن الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين شيء ، مسافة ، بل هو أقرب إليه منا الإيمان به وأبيناه ، والأقرب أن يكون القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى ) وأنّى ) أي وكيف ومن أين ) لهم التناوش ) أي تناول الإيمان أو شيء من ثمراته ، وكأنه عبر به لأنه يطلق على الرجوع ، فكان المعنى أن ذلك بعد عليهم من جهة أنه لا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل ، وأنى لهم ذلك ؟ وهو تمثيل لحالهم - في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا - بحال من يريد أن يتناول شيئاً من علوه كما يتناوله الآخر من قد ذراع تناولاً سهلاً ، لا نصب فيه ، ومده أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم لهمزهم إياه فقيل : إن الهمز على الواو المضمونة كما همزت في وجوه ووقتت فيكون لفظه موافقاً لمعناه ، والصحيح أنه ليس من هذا ، لأن شرط همز الواو المضمونة ضمةً لازمةً أن لا ويكون مدغماً فيها إذا كانت وسطاً كالتعود ، وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون ، وقد حكى عن أبي عمرو أن معناه بالهمز التناول من بعد ، من قولهم نأش - بالهمز - إذا أبطل وتأخر ، والنيش حركة في إبطاء ، والنأش أيضاً : الأخذ ، فيكون الهمز أصلياً ، وقرأه